د. مثنى عبدالله تدحرجت كرة الخيبة والهزيمة من بين يدي المالكي الى بقية الاقطاب السياسيين فذاق الكل مرارتها. لقد أفقدتهم هبة الجماهير المظلومة تلك الغطرسة التي سمعناها طوال السنين الماضية عـن العـراق الديمقراطي الجديد، والتجربة النموذج التي كـان رئيس الوزراء يدعو العرب الى أن يغرفوا منها ويطبقوها في أقطارهم، ويفاخر بها بأعتبارها ربيعا سبق ربيعهم، فأذا به يقف فاغرا فـاه من هول الصدمة التي ذكرته بحجمه الطبيعي قبل العام 2003، وسلبته كياسة المنصب واللباقة الواجبة فراح يشتم شعبه واصفا تظاهراتهم بأنها فقاعة، وشعاراتهم المطالبة برفع الظلم والحيف والاجتثاث والاغتصاب والتعذيب والقهر وقطع الارزاق والاعناق بأنها (نتنـة)، ثم يضيف زعيم تحالف أحزاب الاسلام السياسي الشيعي أبراهيم الجعفري وصفا أخـر لها، قائلا أنها (طفح) بعـد أن أصابتـه هـو الاخر صدمة ما جرى. ويبدو ان الترويع الذي أصيبوا به من الاصوات الهادرة في الانبار والموصل وصلاح الدين وأعظمية بغداد، التي التحمت بها أصوات المظلومين في كل العراق، افقدتهم الذاكرة فنسوا أن نتانة الغزو هي التي أتت بهم الى السلطة لاصناديق الانتخابات كما يدعون . لقد بانت معادنهم الرخيصة في أول أختبار شعبي عفوي وحقيقي، فخرجوا الى العلن عراة من لبوس الديمقراطية والحرية التي حاولت قوى الغـزو أكساء أبدانهم العليلة بها، وظهرت وجوههم الكالحة على حقيقتها بعد أن سالت من حرارة التظاهـرات كل مساحيق التجميل التي أظفاها الضامنون الدوليون والاقليميون عليها، وأنطلقت تصريحاتهم المرتبكة المستقوية بجبروت السلطة لتنم عن مدى التخلف الفكري والسياسي الذي يغلف عقولهم. فكانت هذه أول الثمرات الايجابية التي حققتها أنتفاضة الجماهير حين سحبت كل الاغطية عنهم، ليتعظ كل من كان له قلب أو القى السمع وهـو شهيد، وليكف كل من راهن على العملية السياسية وادعى بأمكانية أصلاحها أو ترميمها عن رهانه، فلا يمكن أيقاف عجلة الزمن الذي يصادر مستقبل أجيالنا دون نتيجة تذكر الى مالانهاية، كما لايمكن بأي حال من الاحوال أن يضغط هذا وذاك مطالب الجماهير وحقها في الحياة الحرة الكريمة، كي تتناسب مـع قالب سياسي فاشل بهدف أنجاحه على حساب الشعب والوطن، فالافكار والنظريات السياسيـة أنماط عمل لخدمة الشعوب والامم ونتاج بشري غير مقدس أطلاقا، والعقل والمنطق يقتضي أن نذهب الى طريق أخر غير الطريق المسدود منذ مايقرب عشر سنوات، الذي قدم فيه الشعب تضحيات جسام دون نتيجة تذكر، وسقط فيه الوطن في جب الفساد والتشظي. أن صراخ المالكي ورهطه عن طائفية الشعارات التي ترفع في التظاهرات هي كذبة كبرى يريدون من خلالها التهرب من حقوق الشعب وأستحقاقات الوطن التي ثبت أنهم غير قادرين على أنجازها، لذلك ليس أمامهم الا أستخدام سلاح التحشيد الطائفي كـي يتحقق الاستفـزاز ثم الاستنفار في الطرف الـذي يدّعون تمثيله وهو منهم براء. ألم يكن تصريحه عندما قال (أنا شيعي أولا) أستفزازا طائفيا وهـو الذي يقود بلدا متنوع القوميات والاديان والمذاهب، ومن الواجب أن يجعل الخيمة الوطنية هي صفته الاولى؟ ألم تكن ضربة كبرى للديمقراطية التي يدعون أنهم يطبقونها عندما قال أمام جمع من شيوخ العشائر أنـه لن يستطيع أحـد أن يأخـذ السلطة منه ولـن يعطيها بعـد اليـوم؟ بل أن المستشار السابق لرئيس الجمورية قال في مقال له بأن المالكي قال للرئيس (علينا أن نعمل معا لامتداد أقليم كردستان ليضم محافظة نينوى لأن هؤلاء ويعني سكانها، هم أعداء لنا وسيظلون رغم كل شيء سُنّة وقومجية عُربان، وملجأ للمتأمرين على حكمنا)، فكيف يمكن تفسير ذلك سوى أنه تفكير طائفي مقيت يتحكم بعقل المالكي وتصرفاته، والذي هـو أحـد الاسس والركائز الاولى لحزبـه الطائفي؟. ثم يتحدثون عـن فرية أخرى يتهمون المتظاهرين بأنهم يرفعون صور أردوغان، وعلم الثورة السورية والعلم العراقي قبل العام 2003، لكن عندما يرفعون صور خميني وخامنئي في مكاتبهم التي يمارسون سلطاتهم من خلالها، وفي العديد من شوارع وساحات بغداد والمحافظات الجنوبية، يكون كل ذلك جائز في عرفهم وليس نهجا طائفيا بل عقيدة كما يصرح عضو دولة القانون علي شلاه عندما سئل عن هذا الموضوع في أحدى الفضائيات، فقال لا يوجد اي مبرر لهذه الضجة نحن في بلد ديمقراطي ومـن حق الناس أن يمارسوا معتقداتهم. وبذلك يتحقق التمييز الطائفي والعرقي على أرض الواقـع عندما يسمح لهذا ويمنع ذاك، كذلك هي القوانين التي أجتثت بموجبها العديد من العقول العلمية العراقية بينما لم تطبق هذه القوانين والقرارات على البعض الاخر لإعتبارات طائفية. أن المطالب التي رفعها المتظاهرون تمثل ‘خطا أحمر’ في عرف المالكي ومن معه، فبها صادروا الحكم وأستأثروا بالسلطة وأفسدوا وأثروا فيها دون حسيب أو رقيب حتى اليوم، وتحقيق هذه المطالب في عرفهم ضياع للسلطة وتداولها الى غيرهـم. فجميـع المحافظات تخضع الى أحكـام عرفية غير معلنة مـن خلال الصلاحيات الواسعة التي تملكها قيادات العمليات العسكرية فيها، التي باتت السيف المسلط على رقاب العراقيين بعمليات الدهـم والاعتقالات والتغييب التي تقوم بها، ممـا أخلّ بدور المجالس المحلية التي يقولون أنها سلطة المواطـن. كمـا خدمت المادة 4 أرهاب بسيفها الاستثنائي المالكي وحلفه في التخلص مـن كـل الخصوم السياسيين داخل العملية السياسية وخارجها، وأخلاء الساحة من كل الاصوات الوطنية الشريفة، التي أتخذت موقفا مشرفا من الغزو والاحتلال وحكوماته. أما قانون الاجتثاث فلم يقتصر على اتجاه سياسي واحد بل شمل جميع الكفاءات العلمية والوطنية التي تسعى لبناء الوطن، وبه تخلص الجهلة من أعوان وأحزاب السلطة مـن منافسين حقيقيين لهم في تسلم مناصب الدولـة. وبذلك بات واضحا جدا لماذا يقول المالكي بأن مطالب المتظاهرين هي عملية نسف للعملية السياسية، لأن حاضر ومستقبل هذه الاطراف مرتبط بأستمرار هذا القوانين والقرارات الجائرة. لذلك هو يفضل اليوم التهرب من دفع ضريبة التهميش والاقصاء، تارة بالقاء المسؤولية على البرلمان الذي له فيه الغالبية المعطلة للقوانين، وتارة اخرى بأتهام السعودية وقطر وتركيا ومايسمى الهيئة العالمية للربيع العربي أو الاخوان بتحريك التظاهرات في العراق. أنه اليوم في حالة أحباط سياسي وفشل تام أمام نفسه وأمام الاخرين بعد أن صدّع رؤوسنا ب ‘الامان’ الذي كان يدعي أنه حققه، وب ‘الديمقراطية’ التي كان يفاخر بها على الاخرين فاذا بكل شيء ينفجر في وجهه وتذهب غطرسته أدراج الرياح، لذلك هو يبحث الآن عـن رد فعـل يعيد لـه بعض التوازن النفسي، مـن خلال الايعـاز الى أعضاء حزبـه الذين يسيطرون على بعض مجالس المحافظات لتنظيم تظاهرات دعم وأسناد له هي في حقيقتها تحشيد طائئفي يبتز بها المتظاهرين كي يتخلوا عن مطالبهم المشروعة. لكن ذلك لن يعيد له هيبة بعد اليوم، فلقد وعى الشعب جيدا بأن الدستور وكل أسس العملية السياسية بضمنها القيادات السياسية، قد عجزت عن حل مشاكلهم بل أنها السبب الرئيس في كل معاناتهم التي من المؤكد أن لانهاية لها أذا تم الاستمرار في نفس النهج، لذلك لايمكن أن يبقى الشعب العراقي خارج حركة التاريخ. لقد عاهد المتظاهرون أنفسهم وشعبهم على أعادة الحق الى نصابه، وهو ليس فعلا يستهدف التربح الطائفي أو القومي أو المذهبي، بل هو فعل يعيد للعراق وجهه الناصع ودوره العربي والاقليمي والدولي في لعبة التوازنات السياسية الدولية . كما انه يضع شعبه على خط شروع واحد دون تمييز أو أقصاء كي يبني المستقبل المضيء لأجياله.’ باحث سياسي عراقيqmdqpt