في ظل حلول الربيع على العالم العربي، وبما أن العراق مجاوراً لسورية التي تندلع فيها ثورة عارمة منذ 15 – 18 آذار 2011 وإلى اليوم، من أجل إسقاط النظام الإستبدادي الطائفي وإقامة دولة القانون والمواطنة لكل السوريين، فقد كان من الطبيعي أن تصل شرارات الثورة إلى العراق وهو المهيأ لها لأن النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والعنصرية الذي أسسه الإحتلال الأميركي ومن خلال حكومة نوري المالكي حولت الحياة بكل جوانبها في العراق إلى جحيم لا يطاق، فالحكومة الفاشلة تمارس لعبة سياسة الهروب إلى الأمام، من مواجهة الأزمات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي يعيشها العراق، ويرزح تحت وطأتها من خلال التمسك بسياسة التصلب الأمني، واللجوء إلى استخدام القوة المفرطة والقهر والعنف الممنهج ضد الشعب العراقي. باجترار رتيب لخطاب سياسي وإعلامي رث عفا عليه الزمن، وأفــــرغ من مضمونه من فرط ابتذاله، فأصبح يمجه الشعب العراقـــي لأنه يقــــوم على تحميل الآخر والذي يشكل للحكــــومة رهـــاب مرضــــي مســـؤولية الفشل وخاصة الذين تطلق عليهم تسمية الصداميين والتكفيريين، فضــــلاً عن افتعال الأزمات مع الشركاء في ما يسمى بالعملية السياسية، والنتيجة أنها قد أصبحت غير قادرة بالمرة على تجاوز انغلاقــــها والإنفتاح على باقي المكونات الوطنية العراقية الآخرى، لأنهــــا مصابة بداء التفرد السياسي ومن الطبيعي أن تفقد نتيجة ذلك أسباب قدرتها على التفاعل معهم، فلا أواصر قائمة بينها وبينهم، لأنه ليس هناك تواكب بيــــنهما مما خلق فصام واختناق اجتماعي تحول إلى خصام وانفجار ســــياسي ترجم بمظاهرات احتجاجية تعم عدد من المدن العراقية مطالبة بقيــــام دولة القانون والمواطنة لكل العراقيين، لأن جانباً واحداً لا يملك حق التفرد بالوطن والوطنية والسلطة حتى يفرض وجهة نظره بالقوة والقهر والعنف على الشعب العراقي.إن المتظاهرين العراقيين الذي تحاول حكومة المالكي عن طريق إعلامها المأمور الموجه تبني نظرية المؤامرة الخارجية واتهامهم بأنهم طائفيون، وينفذون أجندات خارجية تنطوي على تسويف وتسطيح مع سبق الإصرار لأسباب اندلاع المظاهرات الإحتجاجية ضدها، وتهرباً من المسؤولية والإستجابة لمطالب المتظاهرين المشروعة وفي مقدمتها انهاء التفرد والظلم والتجاوزات، فلقد كان من المفترض أن تتوقف الحكومة لو كان لديها حس وطني وتسأل نفسها لماذا يلجأ مواطنون عراقيون إلى المظاهرات الإحتجاجية الواسعة ؟ والجواب ببساطة لأنهم يحسون بمفارقة مذهلة بين نصيبهم من السلطة والثروة والفرص، وبين كونهم مواطنين عراقيين، ومع ذلك فهم مهمشون وهامشيون في وطنهم وغير آمينين، فمعظمهم لا يستطيع أن يلبي حاجاته الأساسية المشروعة في حياة كريمة لائقة، وتذهب نظريات علم النفس الإجتماعي إلى أن الفجوة بين الأمل والواقع إذا ظلت معقولة الحجم، فالأفراد يقبلونها كأمر واقع ولكن حينما تتسع فإن ذلك يولد لديهم إحساساً بالإحباط ويؤدي إلى احتقانهم خاصة إذا تيقنوا أن السبب في ما يعانوه يرجع إلى ممارسات الحكومة، فالشحنات الإنفعالية تتحول إلى استعداد للثورة وهذا ما حصل في العراق فلقد أدى الإحباط والإحتقان إلى انطلاق الثورة فيه بسبب عدم التوزيع العادل للسلطة والثروة والفرص بين العراقيين. د. قصي غريب[email protected]