د. فوزي ناجي تتطور الأحداث وتتلاحق في العالم العربي بسرعة كبيرة، بحيث يركض متابعها ورائها ليستشف مجرياتها دون التدقيق في تفاصيلها واجراء جلسة حوار مع الذات لالتقاط الأنفاس وتحليل دوافعها وأهدافها والمصاعب التي تعترضها وسبل علاجها لما فيه خير شعوبها .ان القراءة المتانية لأحداث عالمنا العربي يتطلب منا دراسة موضوعية نحتكم فيها الى العقل والمنطق ونبتعد بها قدر الامكان عن العاطفة التي تغيب العقل وتجعله بعيدا عن الواقع.محاولة الفهم هذه تتطلب الاجابة على الاسئلة التالية:-1 ما هي أهدافنا في القرن الواحد والعشرين؟2- كيف السبيل الى الوصول لهذه الأهداف؟3- ما هي المصاعب التي تعترضنا؟4- ما هي الحلول المقترحة؟اذا كان الجواب على السؤال الأول هو اقامة انظمة عصرية ديمقراطية يتمتع بها كل مواطن بالمواطنة التامة ويعيش بحرية وكرامة وعدالة اجتماعية ومساواة فان ذلك يتطلب ما يلي:ـ القضاء على الديكتاتوريات وما تشمل من فساد وقمع الحريات واسكات الرأي الآخر.ـ القضاء على الفقر ومكافحة الامية.ـ بناء اقتصاد وطني حر وغير مقيد بشروط المنظمات المالية الدولية.ـ الانفتاح على العالم الخارجي وعدم التقوقع وتطوير سبل الاتصالات الحديثة.ـ احترام الرأي الآخر واشراك كل مكونات المجتمع في مؤسسات اتخاذ القرار.ـ كتابة دستور حديث بمشاركة كل اطياف المجتمع السياسية والدينية والعرقية.ـ انشاء نظام ديمقراطي غير مستورد يراعي ثقافة وحضارة الشعب وتقاليده الخاصة.سبل الوصول وتحقيق هذه الأهداف يتطلب مراعاة ما يلي.ـ الاطلاع على تجارب الشعوب الأخرى في الديمقراطية وخصوصا في الديمقراطيات الحديثة في العالم الثالث. وذلك من اجل استنباط ما يناسب عالمنا العربي.ـ مشاركة خبراء العالم العربي في مختلف المجالات السياسية، القانونية والعلمية المختلفة لكتابة الدستور وجميع النظم التي تستند عليها مؤسسات الدولة في ادارة شؤؤنها، لأنهم الأقدر على فهم خصوصيات ومتطلبات الشعوب العربية.ـ الابتعاد عن اشراك المنظمات الأجنبية، لاحتمال كونها تحمل أجندة خفية تعمل لمصلحة بلادها التي ربما تتعارض مع مصالح الشعوب العربية.ـ عدم الانجرار وراء العروض المادية المغرية والمقدمة من منظمات اجنبية مشبوهة وارتباطاتها غير واضحة المعالم.ـ الأبتعاد عن النظرة الحزبية الضيقة والنظر الى الوطن كحاضن لجميع مواطنيه.ـ غرس الروح الجماعية في نفوس المواطنين. والتدرب على العمل معا كفريق.ـ القضاء على ثقافة النفاق في جميع مؤسسات الدولة، والتي تصور لأي مسؤول عظمته وقدراته الخارقة وتصف قراراته بالتاريخية على الرغم من تأكد قائلها بعدم صدق فحواها.ـ اعادة تأهيل عناصر الشرطة والمخابرات من اجل تعلم احترام افراد الشعب الذي تعودوا على إذلاله لعشرات السنين.ان المصاعب التي تعترض طريقنا هي:ـ انقسام المعارضة الداخلية واحتدام صراع السلطة قبل اسقاط النظام الديكتاتوري وتضارب أهدافها.ـ انقسام العالم العربي بين مؤيد للثورات العربية ومعارض لها.ـ تنافس الدول الاقليمية على النفوذ في العالم العربي.ـ تضارب مصالح الدول العظمى في المنطقة العربية.ـ تحديد العدو والصديق. ليس من الصعب فقط بل من المستحيل إقتراح حل يرضي جميع ألأطراف وهناك المثل العربي الذي يقول إرضاء الناس غاية لا تدرك. هذا لن يمنعنا من تقديم بعض الاقتراحات التي ستعجب البعض بينما البعض الآخر سيرفضها. لكن لا بأس في ذلك، فما دامت الديمقراطية هدفنا فعلينا ان نعود أنفسنا على إحترام الرأي الآخر والاستماع إليه والتعلم منه. فربما نكون نحن المخطئين والرأي الآخر أصح.اذا اتفقنا ان منطقتنا العربية كانت مطمعا للاستعمار القديم وما زالت مطمعا للاستعمار الحديث باشكاله المختلفة نظرا لاحتواها على الجزء الأكبر من احتياطي البترول في العالم، والذي يعتبر عصب الصناعات الغربية وتطورها التكنولوجي، فانه يكون لزاما علينا ان نسعى لفهم السياسة الخارجية للدول الغربية لنبتبين مقاصدها ونسعى الى تجنب اضرارها.لا شك ان سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية هي المحرك الرئيسي للسياسة الغربية وتأثيراتها تنعكس بشكل رئيسي على عالمنا العربي ونموه وتطوره ووحدته أو تقهقره وتفككه.بعد إنقضاء فترة الاستعمار المباشر في اربعينات القرن الماضي ورثت أمريكا السيطرة على منطقة الشرق الأوسط من سابقتها بريطانيا. لكن الأساليب اختلفت فقد اتجهت أمريكا الى:ـ تشجيع قيام أنظمة سياسية تدور في فلكها وتحقق مصالحها.ـ تقديم المساعدات المالية للدول الفقيرة والتي تملك مخزونا ثوريا من اجل ابعادها عن ايديولوجيتها وجعلها تعتمد على المساعدات الغربية في المحافظة على بقاء انظمتها.ـ العمل على ابقاء اسرائيل دولة اقليمية عظمى عسكريا وسياسيا لتعمل كوكيل لها في تنفيذ سياساتها.للأسباب المذكورة أعلاه نشأت أنظمة ديكتاتورية ترتبط مصالحها بالمصالح الأمريكية وتعمل من أجل مصالحهما المشتركة. لقد أدى ذلك لوجود فجوة كبيرة بين الحاكم والمحكوم في تلك البلدان وابتعدت الأنظمة التي كانت تعتبر نفسها ثورية أو تقدمية عن مخزونها الاستراتيجي وأخذت تسبح في فلك المصالح الأمريكية والغربية بشكل عام.أخذت الحركات الاسلامية العربية في سد الفراغ الناتج عن فشل الانظمة العربية في حل المشاكل الضرورية للطبقات الفقيرة من المواطنين، مما سبب تلاحمها معهم وارتفاع شعبيتها لديهم. وفي الوقت نفسه زادة حدة اضطهادهم من قبل الديكتاتوريات العربية. لقد سبّب ذلك إحتقانا شديدا في الشارع العربي أفضى إلى مظاهرات شعبية حاشدة أدت إلى سقوط ديكتاتوريات عربية صديقة للغرب وسياساته.تلكؤ الغرب في البداية في دعم الثورات العربية مؤشر على تخبطه السياسي بسبب مفاجأته بالربيع العربي. لكن تخليه عن حلفائه الديكتاتوريين مرجعه ما يلي:ـ رغبة الغرب في ركب موجة الثورات العربيه وإظهار نفسه كنصير لها.ـ ابعاد التهمة عن نفسه بمؤازرة الديكتــــاتوريات العربية في وجه الشعوب العربية الطامحة للحرية والديمقراطيـــة التي تكفل العيش بكرامة وعدالة ومساواة إجتماعية لجميع المواطنين.ـ الايحاء بمحاولة الأبتعاد عن سياسة الكيل بمكيالين والتحدث بلغتين. حيث أصبح حديث الغرب عن الحرية والديمقراطية ممجوجا وغير قابل للتصديق من قبل الشعوب العربية المقتنعة بأن الغرب تهمه مصالحه فقط ولم يكن في يوم من الأيام مهتما بالانسان العربي وحريته وحقوقه المشروعة. والموقف الأمريكي من حقوق الشعب الفلسطيني مثال صارخ على ذلك.ـ رغبة الغرب بانشاء أنظمة مستقرة في الشرق الأوسط تدعمها الشعوب بشرط أن تعمل الأنظمة الجديدة على تحقيق المصالح الغربية ولا تتقاطع معها. يعني ذلك دعم أنظمة تسيطر عليها القوى الاسلامية ألفائزة بأعلى الأصوات في انتخابات حرة ونزيهة، ومحاولة إحتوائها وإغرائها بالعمل معه من أجل مصالح مشتركة.يبقى الهدف الرئيسي للغرب هو السيطرة على منابع البترول وأبقاء التفوق العسكري الاسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط.يمكنا ان نتساءل عن الأسباب التى حدت بالغرب وأمريكا على وجه الخصوص بالتغاضي عن دخول عناصر من القاعدة أو من يدور في فلكها الى ألأراضي السورية ثم وضعها جبهة النصرة على قائمة الارهاب، حيث تتهمها أمريكا بكونها جزء من ألقاعدة أو من أنصارها؟.كما أرى ان نتساءل عن اسباب دعم الغرب للثورات العربية التي تقودها حركات إسلامية كانت تعتبر ارهابية في نظره. من المطلوب أيضا معرفة أسباب مقاومة ألغرب في هذه المرحلة للأنظمة ألعلمانية ألتي كان يدعمها في السابق وتحالفه الآن مع أنظمة عربية غير ديمقراطية من أجل إقامة دولة ديمقراطية في سورية.هناك سيناريوهان من أجل ألاجابة على هذه التسؤلات. السيناريو الأول يعتبر أن هناك تغييراً في السياسة الغربية تجاه العالم العربي من أجل إقامة ديمقراطية حقيقية تسعى إلى المزيد من ألتفاهم مع العالم ألغربي ألديمقراطي مبنية على مبادىء ديمقراطية مشتركة. ويعتبر أصحاب هذا ألاتجاه أن ألغرب بدأ يمل من السياسات ألاسرائيلية لليمين ألاسرائيلي ويرغب بالتدخل المباشر في الانتخابات الاسرائيلية في كانون الثاني القادم من أجل قيام حكومة اسرائيلية أخرى تجنب ألعالم من هوس نتنياهو الجنوني في ضرب المنشآت النووية الايرانية والتي قد تؤدي ليس الى حرب إقليمية فحسب وانما قد تؤدي الى حرب عالمية.السيناريو الثاني يرى أن الغرب لا يزال يسير على الطريق الذي رسمها لنفسه منذ عشرات السنين وإنه لا يزال يسعى إلى السيطرة على منابع النفط الضرورية لتطوره وتقدمه الصناعي، ومن أجل التحكم في أسعار النفط والتجارة العالمية. لكي يتمكن الغرب من القيام بذلك فإنه يسعى إلى:ـ إحتواء الثورات العربية وجعلها تسير في فلك مصالحه.ـ ضرب القوى المناهضة لسياساته بعضها ببعض لانهاكها والاجهاز عليها في النهاية.في أيامنا هذه تحتل سورية مركز الصدارة في إهتمامات عالمنا العربي، ويبقى البحث عن الحل الأمثل لوقف دائرة العنف وتجنب المزيد من ضحايا أبناء الشعب ألواحد من أهم واجبات كل إنسان حر شريف في أرجاء ألوطن العربي الكبير، إن الدمار الذي لحق بسورية يفوق كل وصف والتضحيات التي قدمها الشعب السوري العظيم من أجل حريته ونيل كرامته فاق كل التوقعات. فلا بد من ايجاد حل لتجنب المزيد من الضحايا وإنقاذ سورية من الدمار الشامل. أن الحل العسكري لن يحسم القتال الدائر في الأراضي السورية، وهذا ما اعترف به مؤخراً نائب الرئيس السوري فاروق الشرع في مقابلته مع جريدة الأخبار اللبنانية بتاريخ 17.12.2012. كما أن بعض قوى المعارضة السورية الفاعلة ترفض التدخل العسكري الأجنبي وبعضها الآخر يرفض الاحتكام إلى السلاح بين أبناء الشعب الواحد. لذلك لا يوجد حل آخر سوى الحل السياسي الذي يتطلب إشراك جميع أطياف ألمجتمع السوري في البحث عن أنشاء نظام عصري ديمقراطي يساوي بين جميع مواطنيه ويمكنهم من العيش بحرية وكرامة متساوين في الحقوق والواجبات، كما يجنبهم من الوقوع تحت سيطرة قوى أجنبية تضمر الشر لسورية وشعبها. ‘ أكاديمي فلسطيني مقيم في ألمانياqmdqpt