بين التفلسف السوري والاستدراج الروسي

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي(1) إذا كانت هناك حاجة لإسقاط نظرية ‘ولاية الفيلسوف’ التي بشر بها افلاطون على أنها الحل لمشاكل الحكم، فإن إدمان الرئيس السوري بشار الأسد التفلسف على أطلال سورية المحترقة يمثل أبلغ إدانة للفلسفة والتفلسف، مثلما كان تمتع نيرون بالعزف على اطلال روما وهي تحترق إساءة لسمعة الموسيقى. (2)هناك بالطبع درجات من التفلسف. فمن جهة، لكل إنسان ‘فلسفة’ في الحياة تؤطر نظرته للكون وتحكم سلوكه، وإن لم يكن كل شخص قادرا على التعبير عن تلك الفلسفة. هناك مثقفون ومفكرون ينوبون عن أهل الملل والنحل في صياغة تلك الفلسفات والتعبير عنها، وهناك كذلك فلاسفة ومفكرون يبتدعون رؤى جديدة تغير نظرة الإنسان إلى واقعه. وهناك مفكرون بدرجة أقل، هم من يسمون ‘حواة الإعلام’، مهمتهم طرح السياسات الحكومية بصياغة تقلب الأمور وتزين ما يصعب تزيينه. ومن ذلك إطلاق تسمية ‘التسليم الاستثنائي’ على مقاولات التعذيب، أو وصف التعذيب بأنه ‘ضغط بدني معتدل’.(3)يحاول الرئيس السوري أن يمزج في خطابه بين التفلسف ودور المعلم، إضافة إلى تقنيات حواة الإعلام، كما فعل عندما أخذ يستخدم التشبيهات الطبية، فيمثل التعامل مع المعارضة بتحصين الجسم ضد الجراثيم، أو يشبه تلوث أيدي أنصاره بدماء شعبهم بحالة الجراح الذي يسيل الدم على يديه لمعالجة المريض، لا لقتله. وقد عاد في خطابه الأخير إلى تخريجات مماثلة، مثل إعادة توصيف ‘الحل الأمني’ الذي انتهجه بأنه في حقيقته حل سياسي بثوب أمني، ثم وصف الثورة بأنها حرب خارجية ليس السوريون فيها إلا أدوات.(4) الإشكالية في محاضرات زعيم المشائين السوريين تتمثل في الجمهور المخاطب. فلا السوريون مقتنعون بأنهم جراثيم، ولا هم يرون القصف بالبراميل ‘جراحة’. (المفارقة هي أن حواة الإعلام الغربيين أطلقوا على عمليات القصف بالقنابل ‘الذكية’ تسمية ‘القصف الجراحي’، تحديداً لأنها تختلف جذرياً عن براميل بشار وصواريخه في أنها تصيب الهدف بدقة، ولا تدمر مدينة من أجل حفنة ثوار نادراً ما يصاب منهم أحد). بنفس القدر فإنه حتى لو اقتنع القادة الغربيون بأن بشار يواجه نفس خطر التطرف الإسلامي الذي يواجهونه، فإن اتهامه للدول الغربية بأنها هي التي أرسلت الإرهابيين إلى سورية لتتخلص منهم يصعب عليهم ابتلاعه.(5)مهما يكن فإن مشكلة بشار لا تكمن في أن تفلسفه لا يقنع خصومه، حتى وإن سرى قليلاً عن بعض غلاة أنصاره، ولكن في مسألتين. الأولى أن الحل الأمني (الأصح ‘الإجرامي’) الذي انتهجه يقوم على ارتكاب الفظائع والمجازر، خاصة ضد المدنيين من النساء والأطفال، بدليل أنه قتل ستين ألفاً من السوريين من دون أي نقصان ظاهر في الثوار ضده. ولهذا السبب تحديداً تبرأ العالم كله منه، بما في ذلك قطاع واسع من جيشه. أما المسألة الثانية فتتعلق بطبيعة الدعم الخارجي له، خاصة الإيراني والروسي، وهو دعم ضرره أكثر من نفعه.(6)يمكن اعتبار الدعم الإيراني القوي لبشار أكبر هدية قدمتها إيران للمعارضة، لأن اصطفافها وحزب الله خلف بشار أنهى أي تردد لدى الدول الغربية ودول الخليج في دعم الثورة السورية، حتى إن تحفظت على بعض أطيافها. فقد تحولت المواجهة في سورية الآن إلى حرب بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين، وبالتالي سيعتبر بقاء بشار انتصاراً لإيران، وهو ما لن تسمح به الدول الغربية التي تسعى الآن لضرب إيران في عقر دارها، فكيف تسمح لها بالتمدد؟ ولعل الكارثة بالنسبة لإيران هي أنها ستخسر سورية بعد أن تكون خسرت الشعوب العربية والإيرانية، وستواجه الغرب وهي في عزلة لا سابقة لها.(7)الدعم الروسي لا يقل إشكالية. فإذا كانت إيران على الأقل مستعدة للقتال إلى جانب الأسد، فإن روسيا ليست مستعدة لذلك. وبينما يرى الرئيس الروسي بوتين في سورية حلبة صراع مع الغرب لا يريد أن يخسرها، إلا أنه غير مستعد لإدخال بلاده في مواجهة دولية بسببه. فهو يحرض بشار للقتال نيابة عن روسيا، ولكن روسيا لن تقاتل نيابة عن بشار.(8)وإذا كان ما تقدمه إيران لسورية من دعم مادي وسياسي لا يعادل شيئاً في مقابل تجييش العالم ضده، فإن تأثير روسيا أسوأ، لأنها تشجع النظام على اتباع نهج انتحاري، فتسهل على الثوار مهمتهم. إذ أن الأسد لو اختار نهج الحوار الجدي مع المعارضة لكان سبب إحراجاً كبيراً لها والقوى الداعمة لها. أما باتباعه نهج التشدد استناداً إلى أوهام دعم روسي محتمل فإنه يقود أتباعه إلى التهلكة كما فعل القذافي حين سهل على الثوار مهمتهم، استناداً إلى تطمينات لا قيمة لها من دول افريقية وعربية ساندته صوتياً.(9)روسيا (أو الاتحاد السوفييتي وقتها) لعبت هي وما سمي بدول الضد دوراً مماثلاً في استدراج العراق للدخول في مواجهة مدمرة أثناء حرب الكويت، حيث كان البعض يسيرون الوفود إلى بغداد، ويحشدون التظاهرات، ويطلقون التصريحات النارية، ويرسلون المبعوثين. ولكن حين جد الجد، وجد صدام نفسه وحيداً أمام قوات التحالف. نفس الشيء يحدث اليوم، حيث تطرب دمشق لخطب حزب الله، وبيانات طهران، وتصريحات لافروف، وتحذيرات الابراهيمي، ولكن حين أغلق مطار دمشق وسقطت حلب، وأصبحت الثوار قاب قوسين أو أدنى من القصر الرئاسي، كان كل شغل هؤلاء إطلاق المحتجزين الإيرانيين واللبنانيين، وإجلاء الرعايا الروس. وعندما تأتي النهاية، سيكون غاية الدعم الروسي ربما إرسال طوافة لإجلاء الاسد وأسرته إلى إحدى السفن الحربية في المتوسط، هذا إذا كان ذلك ممكناً، فأرواح الطيارين الروس غالية.(10)كما أن متفلسفي السياسيين يقلبون الأمور، فيصفون طلاب الحرية بأنهم عبيد الخارج، ويقولون عمن يصرحون بعبادتهم أنهم هم الأحرار، فإن للأقدار كذلك تصاريفها وتقلباتها في حق مقلبي الأمور. وإذا كان القذافي وصف ثوار ليبيا بالجرذان فانتهى به الأمر فيما يشبه مخبأ الجرذ، فماذا يا ترى سيكون مصير من وصف السوريين بالجراثيم؟qraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية