لقاء بين الريشة والقلم: حين تصافح يد الكاتب يد التشكيلي

حجم الخط
0

الرباط ـ ‘القدس العربي’: ‘يَدٌ تُصافِح أخرى’، كان عنوان اللقاء الذي نظمه ملتقى الثقافات والفنون، بالمحمدية، يوم السبت الفارط، بقاعه الخزانة الوسائطية، حول العلاقة بين الكتابة والتشكيل. شارك في اللقاء كُـتَّاب وفنانون ونقاد تشكيليون، وباحثون، جمعوا في عملهم بين هذين الجنسين الفنيينِ، الإبداعيين. انطلق اللقاء بافتتاح المعرض التشكيلي للقاص عبد الحميد الغرباوي، الذي كان فرصة للتَّعرف على اليد الأخرى للكاتب، التي زاولت انتقالها من الكتابة إلى التشكيل، أو كما يذهب القاص نفسه، زاوجتْ بين الكتابة والتشكيل، لأن الكتابة هي تعبير بالصورة، أو بالتصوير، وعبد الحميد ، كما قال في جواب له عن سؤال كان طرحه عليه بعض الحاضرين، فهو كان في أعماله القصصية، يعمل باستمرار مع فنانين ورسامين، ويحرص أن تكون اللوحة جزءاً من القصة، أو تعبيراً موازياً لها، كما فعل في عمل له مع الفنان نور الدين فاتحي، قبل عشرين سنة، ومع محمد الأزهر. ما يعني أن الغرباوي لم يكن خارج هذه العلاقة بين الكتابة والتشكيل، بل إنها كانت، كما يقول، في صلب اهتمامه. كان اللقاء فرصة، تاريخية مهمة، كما قال شفيق الزكاري، لاستعادة التفكير في الموضوع، الذي كان عُـقِـد بهذا المعنى، تقريباً، منذ سنوات، في مدينة المحمدية التي هي مدينة التشكيليين بامتياز، لكنه كان مقتصراً على الشعر، وليس مفتوحاً على الكتابة.. والعودة لفتح هذا الموضوع، بهذه الطريقة الجديدة، من حيث ما جاء في ورقة اللقاء، ومن حيث المشاركون الذين اشتغل أغلبهم على هذه العلاقة في بحوث جامعية أكاديمية، لم تعد تقتصر، كما حدث من قبل، على العلاقة بين التشكيل والشعر، بل تجاوزت الشعر إلى الرواية والقصة، ومختلف أجناس الكتابة. في ورقة القاص أنيس الرافعي الذي أدار اللقاء، أكد أنيس على جدارة هذه العلاقة بين الكتابة والتشكيل التي كانت في صميم كتابات وانشغالات كتاب غربيين وعالميين كبار. ما يعني أن العلاقة بين الكتابة والتشكيل، هي أيضاً علاقة دائمة وممتدة في التاريخ المعرفي للكتابة والتصوير، وليست جديدة طارئة، أو وليدة الصدفة. وهي العلاقة التي عمل الفنان شفيق الزكاري على تأكيدها من خلال مختلف مظاهر وتجليات هذه العلاقة كما جرت في الثقافة المغربية المعاصرة. فالنقاد لم يفتأوا يكشفون في كتاباتهم، عن هذه العلاقة، خصوصاً بين الشعر والتشكيل، من خلال أعمال كان ساهم فيها فنانــون وشعراء، و كانت تجارب مهمة فـي هـذا التجاسُـر، والتصافُح بين جنسين، أو نوعين إبداعيين مهمين، وهما من أهم ما تتأسَّس به علاقة الإنسان بالوجود، كما سيؤكد الأستاذ أحمد الصادقي، في مداخلته التي اختار أن تدخل للموضوع من مرجعيتين مهمتين، أو من خلال سؤاليْ الفلسفة والتصوف. فهو استعان بهايدغر ليكشف عن الطبيعة المادية المباشرة، للفن، وعن الاختراقات التي سينجزها الفن، ليصير ‘أثراً’، كما أكد على ما للمتصوفة من دور في هذا المجال، لكنه دور لا يمكن بلوغه بسهولة، نظراً لعمقه وروحانيته البعيدة. فما يحدث من ‘توالج’ بين الكتابة والفن، هو تعبير عن هذه العلاقة العميقة بين الطرفين، وهي علاقة تفضي إلى وضع الكتابة والتشكي موضع مُساءلة، وفي عمق المشكلات التي يطرحها الفن على المستويين المادي والروحي. أما الشاعر عبد العزيز أزغاي، فهو اختار أن يقدم شهادة عن تجربته، وعن هذا ذهابه إلى التشكيل بالموازاة مع الشعر. وهي العلاقة التي يراها أزعاي قائمة في نفس الشاعر، ولا غرابة في أن يجمع الشاعر بين التشكيل والكتابة، فهناك، دائماً، ما يسمح بهذا الانتقال، أو المُصافَـحَة، وهو ما سيتفق عليه الجميع، في كل المداخلات المُقَدَّمَة في اللقاء. الباحث أحمد لطف الله، هو بين القلائل الذين اشتغلوا في بحثهم الجامعي على العلاقة بين التشكيل والرواية، وأطروحته كانت تصب في هذه العلاقة التي لم تعد مقصورة على الشعر وحده، بل إنها، كما يرى، تظهر في السرد بشكل أعمق وأقوى، مخالفاً في ذلك بعض ما جاء في مداخلة أحمد الصادقي الذي كان يؤكد على ضرورة الشعر كحاجة ماسة في هذه العلاقة. قدم لطف الله نماذج اشتغل عليها ، لهذه العلاقة، أو المصافحة، من خلال روايات مغربية وعربية، كانت تجمع بامتياز بين الشكيل والكتابة، أو كان التشكيل حاضراً فيها، أي في الكتابة، وظاهراً في أكثر من مستوى من مستويات بناء النص الروائي وسياقاته السردية الحكائية. وهو ما سيعمل الفنان والناقد بنيونس عميروش على تعميقه، عملياً، من خلال اشتغاله على رواية غيرترود لحسن نجمي، التي كان موضوع الفن والفنانين التشكليين، وكانت فضاءاتها، كلها تسير في هذا السياق، ما جعلها تجمع بين الكتابة والتشكيل، التي كان نجمي اشتغل عليها، بحسب عميروش، مع القاسمي، في ديوانه الرياح البنية. مداخلة الفنان والناقد التشكيلي، نور الدين فاتحي، كانت عبارة عن بيان احتجاجي، ضد ما يتعرض له التشكيل المغربي من تحريف وتزييف، من قبل أطراف لا يشغلها الفن بقدر ما هي مشغولة بتقديم المغرب التشكيلي في صورة كاذبة، لا علاقة لها بالواقع. وسعى هذا البيان الاحتجاجي إلى إثارة الانتباه إلى حاجة الفنانين المغاربة للاشتغال على تاريخهم، وما يعتبر مرجعيات ثقافتهم المليئة، كما قال في تدخُّل لا حقٍ، بالرموز والدلالات التي لا داعي للتغاضي عنها والبحث عن مرجعيات لا علاقة لها بثقافتنا وتاريخنا وهويتنا الغنية المنفتحة. وسينصب النقاش على شرعية هذه العلاقة، وما يمكن أن تتيحه من إمكانات، في هذه المصافحة بين الكتابة والتشكيل. وقد تدخل فنانون ورسامون وكتاب وشعراء، ممن كانوا حاضرين خلال أربع ساعات متوالية ، كانت لحظة مهمة لفتح سؤال العلاقة بين الكتابة التشكيل، هذه المرة، دون قصرها على الشعر وحده، كما جرى في لقاء السنوات الماضية الذي كان مكانه المحمدية، أيضاً.qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية