– بعد خطاب بشار الأسد الأخير الذي أعاد ما يحصل في سورية إلى سنتين خلتا، وكأنّ سوريّة لم تمرّ عليها قرابة السنتين وهي في حالة ثورة وغليان، وكأنّها لم تفقد عشرات الألوف من أبنائها، وكأنّ بنيتها التحتية لم تدمر، وكأنّ كثيراً من مدنها وقراها لم تكد تختفي من على ظهر الأرض بفعل قصف الطيران والمدفعية وو….. – عندما يسمع المرء مثل هذه الخطاب يترك لخياله العنان ليعود بالذاكرة إلى خطابات مشابهة لزعماء طواهم الزمن مع خطاباتهم التي خالفوا فيها سنن الحياة البشرية ومنطق التاريخ، لأنّ المستقرئ للتاريخ المعاصر والقديم يترسخ في ذهنه حقيقة بدهية ثابتة تقول: إنّ منهج الجبابرة والطغاة لا يتغير بمرور الزمان، واختلاف المكان، وإن اختلفت التفاصيل. – قبل انفجار بركان ثورات الربيع العربي كان القارئ للقرآن الكريم يمر على قصص السابقين فيتعجب من تماهي الطغاة والجبابرة في الظلم والغي رغم النداءات الكثيرة التي كانت تقرع آذناهم ليل نهار: أن اعتبروا بمن سبقكم، وانظروا إلى حالهم ومآلهم، ولكنّ العناد والاستكبار كان سمة ملازمة لهم، وتعلّقهم بسراب القدرة على وأد ثورات المظلومين والمستضعفين يمنعهم من النظر بحكمة إلى الأسباب والمقدمات وربطها بالنتائج والمألات.- إذا أردنا أن نستقرأ بعض وجوه التشابه بين سلوكيات طغاة الأمس وطغاة اليوم لوجدناها تكاد تتطابق: فهناك دائماً خلل في تشخيص الحالة، ينتج عنه خلل في توصيفها، ينتج عنه خلل في معالجتها والتعامل معها، يشجع كلّ هذا ويغذيه بطانة وأعوان ربطوا مصائرهم بمصائر طغاتهم: – فالطاغية في أول الأمر يصمّ أذنيه عن سماع صوت الثائرين، ويغمض عينيه عن رؤية حراكهم، ويقلل من شأن مطالبهم وثورتهم، فهم قلة موتورة مأجورة، والشعب متعلّق بزعيمه الملهم، ويتكلم وكأنّ ما يقع يحدث في مكان آخر.- الطاغية يهدد بسحق الثائرين، ويقرر أنّه ليس كسابقيه وظروفه غير ظروفهم.- الطاغية يضرب بشدّة وينكّل بالثائرين ليرهبهم ويسكت صوتهم، ويتهمهم بأبشع وأقذر التهم أولها وليس آخرها التعاون مع الأعداء والخيانة العظمى للوطن .- الطاغية يتماهى في انفصاله عن الواقع، ويقلب الحقائق ويلعب على المفاهيم كالإرهاب والحرية و..و – الطاغية يتجاهل بداية انحسار سلطته على الأرض، ولا يلتفت إلى مؤشرات ازدياد اشتعال الثورة وتوسعها نتيجة الإفراط بالبطش وينفصل عن الأحداث.- الطاغية يقرر استحالة سقوطه، وينكر احتمال نجاح الثورة مع بداية ميلان كفّة الثوار وقرب انتصارهم.- الطاغية لا يستمع إلى نصائح من وقفوا إلى جواره وساندوه، ويفقد الداعمين والمؤيدين رويداً رويداً، ويضيع خيار اللحظة الأخيرة قبل الانهيار.- الطاغية ينهار، وينفضّ عنه من حوله، ويتشتت أعوانه وأنصاره ويفقد السيطرة عليهم ولا يختار صفة نهايته وظروفها بل تفرض عليه. عبد عرابي[email protected] qmn