احتراق الفراشة: قراءة نفسية للفيلم المغربي zero

حجم الخط
0

د. طالب الخفاجي -1عرفت السينما المغربية تراكما مهما على مستوى الإنتاج السينمائي، مما أسهم في التنويع والتطرق إلى مواضيع ذات أهمية سواء على المستوى المحلي أو العربي. ولقد استطاعت أن تطرح مجموعة من الأفكار الشائكة والمعقدة وبجرأة كبيرة، في ارتباط بما يدور في المجتمع المغربي، بطريقة ساخرة تهكمية، حتى يستطيع المشاهد التفاعل معها بشكل واقعي. ومن هنا نرى أن الفيلم المغربي الجديد zero لمخرجه نور الدين الخماري قد تطرق لمواضيع متعددة ومتشابكة، سنحاول في هذه القراءة تسليط الضوء على الصراعات النفسية التي جاء بها الفيلم. -2-لقد كان الفيلم في مجمله يدور حول المرأة: المرأة الأم التي هربت مع عشيقها والتي لم تستطع العيش مع ذلك الرجل الذي لا يرضى بأي شيء، والمرأة الشابة التي هربت من بيت الأسرة وظلت الأم تطلب المساعدة للعثور عليها، والمرأة التي اشتغلت ببيع الجنس لكي تؤمن قوت يومها، والمرأة الدكتورة التي حارت بين خطيبها الذي لا يوليها الاهتمام وبين بطل الفيلم الذي أطلعها على شهامته، والمرأة التي احتاجها الأب لكي يقضي بعض اللحظات السعيدة في حياته معها حتى ولو دفع مبلغ ذلك (وهو ما تكفل به الابن)، والمرأة التي تجلس في البار مع أحد زبنائه وقام بتقبيل حذائها في إحدى لحظات نشوته، والمرأة التي كانت تدير الفندق الذي يتردد عليه الأغنياء لقضاء حاجاتهم الجنسية الشاذة.فالمرأة كما وصفها مؤسس مدرسة التحليل النفسي سيغموند فرويد بأنها ‘قارة مظلمة’ يصعب اكتشافها. نعم لقد ظلت المرأة العربية مجهول الرجل العربي، وعندما نجهل الشيء نخاف منه، وكلما زادت مخاوفنا منها زادت إساءتنا لها. لكن من أين جاء هذا الخوف من المرأة؟ لقد كان مصدره الخوف من الأم التي لها القدرة على إعطائنا الحياة عندما تغذينا، وقادرة على وقف الحياة عندما تمتنع عن ذلك، فظل الخوف اللا شعوري من الأم يلازمنا طيلة حياتنا، وتم تعميم الخوف من بقية النساء في حياتنا، وهذه المخاوف تظهر بالذات في الحياة الزوجية. ولقد عمد الرجل من قديم الزمن إلى إرضائها وطلب حبها له، لأنها هي التي تضفي السعادة أو التعاسة على حياته، فهي المخلوق الواقعي وليس العاطفي كما هو شائع عنها. فكل الدراسات التحليلية تشهد بأنها هي التي تقود الحياة الجنسية والعاطفية في علاقتها مع الرجل. ولذلك فكلما زاد خوفنا منها بدأنا نعاملها بقسوة لكي نهدئ من روعة هذه المخاوف التي تنتابنا منها. -3-بدأ الفيلم بالبطل وهو يغسل الجدران، وتكرر هذا المشهد ثلاث مرات، ومعنى ذلك أن هذا الشخص يغسل جدران نفسه داخليا، لأنه يشعر بأنه غير نظيف، ويبدأ في تنظيف ماحوله، وهو ما نعيشه معه في مساره الحياتي داخل الفيلم. ولذا فقد عاش بطل الفيلم صراعا داخليا مؤلما حيث أن الذين حوله يلقبونه ب zero) (ومعنى ذلك أنه لاشيء، وكثيرا ما استسلم لهذه التسمية، إلا أنه في الأخير انتفض وأراد أن يثبت لنفسه أولا بأنه شيئا غير zero ، وبالذات عندما توفي والده الذي كان أيضا ينظر إليه نظرة دونية.إن الجزء الكبير من صراع بطل الفيلم هو ناتج من بيت لا يوجد فيه لا حب ولا حنان، بل يخيم فيه الحرمان الكامل: أم تركته وذهبت مع عشيقها، وأب متسلط متذمر من كل الحياة. لذلك نراه يعالج هذا الصراع المرير الداخلي بالإدمان على الكحول، وفي أحيان كثيرة يستخدم الإدمان لمعالجة الصراعات الداخلية أو يساعد الفرد على نسيانها مؤقتا، وهذا الصراع قاد البطل إلى اختيار مهنة شرطي، أولا لكي يستطيع أن يشعر بالسلطة على من حوله، وثانيا لكي يستطيع مساعدة الذين في حاجة إليه، مثل المرأة التي تركتها بنتها الشابة في سن الرابعة عشرة. وقد حاول بطل الفيلم جاهدا أن يجدها لكي يثبت لنفسه بأنه قادر على إعطاء الحب الذي فقده، بالإضافة إلى أنه يشترك مع البنت مسألة الهروب والتخلي؛ حيث تركته أمه والبنت تركت أمها.أما العمل/ الوظيفة بالنسبة لبطل الفيلم فهو مثل الكابوس المظلم المغلق، لأنه كان يعيش صراعا مريرا مع مرؤوسيه، حيث ينظرون إليه باحتقار وازدراء، وهذا ما جعل هذه الصراعات الداخلية تولد غضبا جامحا، أدى به إلى الانتقام من مرؤوسيه وذلك، طبعا، بعد موت الأب الذي كان يلعب دورا سيئا في حياته، ونتذكر هنا المشاهد التي يتواجد فيها الابن مع الأب في المنزل، حيث تم التركيز على إدمان هذا الأخير على الكيف، ومعاناته من الإمساك، ولهذا دلالته لأن الأشخاص الذين يعانون من الإمساك هم أناس شحيحين في عواطفهم حيث للإمساك بعد نفسي عميق لدى مدرسة التحليل النفسي، لأنه عندما يكون الشخص غير قادر على التحكم بالعالم الخارجي فإنه يحاول السيطرة على خروجه فيمسك به. ومما كان بطل الفيلم يحبه هو النوم في حوض الحمام وشرب الخمر فيه، هروبا من إزعاج الأب، ويحيلنا الحوض هنا إلى حضن الأم، وقنينة الخمر إلى ثديها الذي حرم منه، فهو يحاول لا شعوريا أن يعيش تلك الحياة السابقة مع الأم.وعندما كان يذهب البطل إلى البار ، كان يلاحظ تذمر كل الناس الذين في لحظة من اللحظات بدؤوا كلهم يشتمون الحياة وما فيها. ولا شك أنها وسيلة الشخص الهارب من متاعب الحياة، وغير القادر على مجابهتها، فيبدأ بشتم الدنيا، وهي أشياء رمزية محددة تعني السخط والغضب على مجتمعنا وأسرنا. ومن الأشياء الرمزية التي أبدع فيها الفيلم مسألة الوشم؛ وبالذات وشم المرأة بالفراشة، وهنا تم تقديم دلالة رمزية بالغة الأهمية، وهي أن المرأة التي تنزل إلى ميدان العمل في بيع الجنس سوف تحترق بهذا العمل مثلما تحترق الفراشة عند اقترابها من الضوء، وهذا هو الاحتراق النفسي الذي ربما تعاني منه المرأة التي تعمل في هذا المجال.إضافة إلى ذلك فقد تم التطرق إلى مسألة الشذوذ الجنسي، مثل ذلك الرجل المسن الذي يضرب البنت الصغيرة بالسوط وهي سادية جنسية؛ أي أن الفرد يتلذذ جنسيا عندما ينزل ألما بالطرف الآخر الذي يمارس معه الجنس. وهناك مشهد جنسي آخر وقد تم في البار حيث يقبل رجل حذاء صديقته، ويسمى هذا بالفتش أي أن شيئا يلامس جسم المرأة هو بمثابة حافز جنسي يجلب اللذة. -4-لقد كان الفيلم رائعا في تصويره السينمائي، وفي محتواه حيث عرض صراعات نفسية عميقة تكمن في خلجات اللاشعور الإنساني وقليل ما يسلط عليها الضوء في عالمنا العربي، ولكن فيلمzero) أخذ المشاهد المغربي/ العربي إلى أعماق النفس البشرية الشريرة. وبالتأكيد هذه ليست الشريحة الغالبة في المجتمع المغربي، وأرى أن هناك علاقة بين الفيلم وما كتبه محمد شكري في كتابه ‘الخبز الحافي’ حيث تم التركيز على الجانب المظلم في المجتمع. وعزاؤنا في هذه المسألة أن أفلاما مغربية كثيرة اهتمت بالجانب المضيء في المجتمع المغربي، وقدمت رؤية مشرقة عن الحياة المغربية.’ محلل نفسي [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية