شهدت ليبيا تحولا دراماتيكيا في بنية النظام السياسي والاجتماعي، بفعل ثورة السابع عشر من فبراير 2011، بعدما تم إسقاط نظام مستبد ظل يحكم لما يناهز من نصف قرن من الزمان، مارس فيها شتى أصناف الإقصاء السياسي للمعارضين لتوجهاته، وصل حد الاغتيالات السياسية في داخل ليبيا وخارجها، ما ولد حالة من الاحتقان الشعبي، اتسع نطاقها الجغرافي لتصل إلى كل المدن والقرى الليبية دون تمييز وبشكل متفاوت. ففي الوقت الذي كانت فيه نسبة الإقصاء مرتفعة في مدينة معينة نجد أنها كانت تؤشر على وجود شريحة واسعة من المعارضين، وكذلك الحال عندما كانت نسبة الإقصاء منخفضة كانت مؤشرا واضحا على زيادة التأييد للنظام في تلك المدينة، أي بمعنى لايوجد تموقع جغرافي معين يؤشر على تأييد كامل ولا رفض كامل لتوجهات وسياسات ذلك النظام. إزاء هذا الوضع من الاصطفاف، تشكلت قبيلتان سياسيتان ضمتا أفرادا من كافة المدن والقرى الليبية، الأولى كانت تؤيد ذلك التوجه من الإقصاء وتعمل على تعزيزه، وفي المقابل أخرى ضمت كافة الرافضين للانضواء تحت عباءة النظام .بدأ الصراع بين القبيلتين منذ سبعينيات القرن الماضي، وبما أن قبيلة (النظام) كانت تهيمن على موارد الدولة فقد سخرت كافة تلك الموارد في إنهاك وإضعاف قبيلة (المعارضة)، وأهملت جوانب الصرف المهمة على التطوير والتعمير.وفي المقابل كانت قبيلة (المعارضة) لا تملك من الموارد ما يكفي لمواجهة تلك القبيلة سوى أنها تضم نخبة من المثقفين والتكنوقراط، وبذلك كان سلاحها الإقناع بدلا عن القوة. لاقى الخطاب السياسي لقبيلة (المعارضة) ترحيبا واستجابة في الشارع الليبي، الذي عبر عنه في خروجه يوم السابع عشر من فبراير، في ثورته التي كتب الله لها النجاح في الإطاحة بالنظام وبقبيلته (السياسية)، رغم التكلفة الباهظة في الخسائر البشرية. من أبرز التحولات التي شهدتها ليبيا بعد الثورة أن أضحت قبيلة (المعارضة) القبيلة السياسية (للنظام الجديد) وبالتالي أضحت تملك ذات الموارد التي كانت تهيمن عليها قبيلة (النظام السابق)، حيث ذات الإغراءات التي كانت تقدم للدول، من موارد الدولة الليبية لوقف نشاط المعارضة، تقدم اليوم لذات الدول التي كانت سابقا تحتضن أفرادا من (قبيلة المعارضة). ففي السابق قدم النظام المنهار، مئات الملايين من الدولارات من أجل إحضار شخصية ليبية واحدة معارضة وقتلها، واليوم نشهد الثمن ذاته يقدم لذات الدول لإحضار بعض الشخصيات، مع البون الشاسع بين الشخصيتين، الأولى مناضلة والأخرى متورطة في الإجرام حتى النخاع. ولكن مهما يكن من أمر انه إهدار للمال العام، وفيه صرف النظر عن أمور أهم تهم بناء الوطن والمواطن.ومن جهة أخرى وإضافة إلى تلك التحولات أيضا، هناك من حاول بعد الثورة أن يلصق كل تبعات ومساوئ النظام السابق إلى قبيلة معينة أو مدينة معينة، ونسى أو تناسى أن أفرادا من القبيلة الاجتماعية المحسوبة على رأس النظام السابق رفضوا الانصياع إلى الأوامر وفضلوا أن يموتوا رميا بالرصاص، لا أن يحاربوا أبناء الوطن، بعد أن تكشفت لديهم حقائق كانت مغيبة عنهم بفعل التضليل الممنهج من قبل قادتهم.وفي ذات الوقت من غير الممكن تصور أن مدينة بقضها وقضيضها حاربت ووقفت في وجه النظام، وبالتالي يمكن وصفها أنها انحازت للثورة بالكامل،فالتحليل السياسي في هكذا حالات يقول أن 10′ من السكان ينحاز إلى الثورة ويحارب من أجل التغيير إلى النهاية، بينما 10′ يقف ضدها ويحاول ما أمكن الحفاظ على بقاء النظام، ويبقى 80 ‘ من السكان في حالة ترقب وانتظار لحسم أي من الطرفين الموقف، وعندما يحسم الموقف تنحاز الأغلبية إلى الطرف المنتصر. نخلص من هذا أن عدد من قاتل ومارس التعذيب ووقف إلى جانب النظام السابق هم قلة وبالإمكان حصرهم بكل يسر، وأيضا من حارب وواجه الموت في سبيل الإطاحة بالنظام يمكن حصرهم بكل سهولة ويسر. أما أن تترك الأمور دون تقييد وبشكل فضفاض، سيؤدي حسب توقعاتنا إلى عرقلة قيام الدولة وبشكل تتسع معه الهوة بين أبناء الوطن الواحد. حامد الحضيري [email protected]