كمال زايت الجزائر ـ ‘القدس العربي’: وضع لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي السلطات الجزائرية في ورطة بإعلانه أن هذه الأخيرة سمحت للطائرات الفرنسية التي تشن غارات على مواقع الجماعات الإسلامية المسلحة في شمالي مالي بعبور المجال الجوي دون شروط، وهو الإعلان الذي لم تعلق عليه السلطات الجزائرية بشكل رسمي، حتى كتابة هذه السطور لا بتأكيده ولا بنفيه.وكان فابيوس قد أكد في تصريح لقناة ‘ آل س ياي’ الإخبارية الفرنسية أن السلطات الجزائرية سمحت للطائرات الفرنسية بالتحليق فوق مجالها الجوي في إطار العملية العسكرية التي تقوم بها فرنسا في شمالي مالي، مقدما شكره للسلطات الجزائرية على تعاونها الذي سمح للطائرات الفرنسية الموجودة في فرنسا بالمشاركة في العمليات العسكرية ضد مواقع الجماعات المتمردة المسلحة في الشمال.وشدد وزير الخارجية الفرنسي على أن هذه العملية كانت ضرورية، وإلا فإن مالي كدولة كانت ستختفي فاسحة المجال أمام بروز دولة إرهابية، موضحا أن العملية العسكرية الفرنسية ستستغرق أسابيع فقط، وأن القوات الإفريقية ستحل محلها الفرنسية في إطار عملية تطهير شمال من الجماعات الإرهابية ودعم الحكومة المركزية في باماكو.وبقيت السلطات الجزائرية صامتة أمام هذا التصريح الذي وضعها في ورطة حقيقية، لأنه من جهة أثار أكثر من تساؤل حول الموقف الجزائري الذي كان ‘يرفض’ أي تدخل عسكري أجنبي في منطقة الساحل، كما أن السماح للطائرات العسكرية لفرنسا، الدولة التي استعمرت الجزائر لأكثر من 132 سنة بالتحليق فوق التراب الجزائري مسألة مثيرة للحرج ومحركة لمشاعر الكثيرين، وبعد كل هذا أن يأتي الإعلان من وزير خارجية فرنسا وليس من مسؤول جزائري، فإن الأمر يتحول إلى ‘ورطة حقيقية’.من جهة أخرى اختتم أمس رئيس وزراء مالي ديانغو سيسوكو زيارة العمل التي قام بها إلى الجزائر، إذ استقبل في يومها الثاني والأخير من طرف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، بحضور رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال، وقد جرى الحديث خلال هذا اللقاء بخصوص الأوضاع الدائرة في مالي، إذ سعى سيسوكو إلى شرح الأسباب والظروف التي جعلت السلطات المالية تطالب بتدخل فرنسي، وطلب أيضا مساعدة الجزائر ومساهمتها من أجل تمكين مالي من التخلص من الجماعات الإرهابية والإجرامية التي أضحت تشكل خطرا على المنطقة بأكملها.ويبقى الموقف الجزائري من الوضع في مالي أكثر من ملتبس وفي حاجة إلى توضيح، علما وأن السلطات الجزائرية بذلت جهودا في الفترة الأخيرة من أجل الشروع في مسار مفاوضات بين الحكومة المالية وبين الجماعات المتمردة التي أعلنت تبرؤها من الإرهاب والإجرام المنظم، والتي أبدت استعدادها المساهمة في حل سلمي من خلال مفاوضات تشمل أطراف الأزمة كافة، ونجحت الجزائر إلى حد ما في التوفيق بين حركة تحرير أزواد وبين جماعة أنصار الدين، وتوصل الطرفان إلى التوقيع على اتفاق شراكة في العاصمة الجزائرية من أجل محاربة الإرهاب وتأمين المناطق التي تسيطر عليها الجماعتين، وكذا العمل على تحرير الرهائن.ورغم أن الموقف الفرنسي كان في وقت أول متحمس لعملية عسكرية، بصرف النظر عن مسمى هذه العملية والشكل الذي ستأخذه، إلا أن باريس تراجعت بعد ذلك ليست من حيث المبدأ، بل من باب إعطاء فرصة للحل السلمي، وهو تراجع اعتبره المراقبون تكتيكي، لأن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند لم يكن يريد إفساد الزيارة التي كان سيقوم بها إلى الجزائر يومي 19 و20 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وهي الزيارة التي يبدو أن الأمور حسمت فيها، على اعتبار أن بعض الأطراف التي حضرت اللقاءات والمحادثات، أكدت، حسبما نشرناه في عدد سابق، أنه لم يكن هناك أي خلاف بخصوص حل الأزمة في مالي بين باريس والجزائر، وأن الذي بقي هو الاتفاق على مسألة التوقيت فقط، وبالتالي يبقى التساؤل قائما حول مصير المسار التفاوضي الذي سارت فيه الجزائر وشجعت عليه، وكذا انعكاسات العملية العسكرية الفرنسية عليه، وعلى الوضع الأمني في المناطق الحدودية الجزائرية مع منطقة الساحل، خاصة في ظل ما يترد عن احتمال توحد الجماعات المسلحة الإرهابية والمتمردة التي كانت إلى وقت قريب تنبذ الإرهاب، وتتبرأ من تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي ومن جماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا.qarqpt