النظام السوري يقتل شعبه الثائر ويهدم ما بناه، والشعب الثائر يقدم مئات الآلاف من الفدائيين في سبيل إسقاط النظام، والجيش الحر المنشق يقتل ما استطاع من الجيش النظامي ويهدم ما شاء، وكأنهما اجتمعا على أن يخربا بيوتهم بأيديهم، والضحية هي سورية بشعبها السني والشيعي يقتل بعضه البعض، سورية بقوتها التي كانت تهدد الكيان الصهيوني تدمر، سورية التي كانت ملاذا للفلسطينيين ساسة وشعبا أصبحت ساحة لفتنة دامية فر منها المواطن السوري لاجئا قبل الفلسطيني، ولا تلوح في الأفق القريب بوادر لحل هذه الأزمة،فلا الشعب الثائر استطاع كسب المعركة وإضعاف النظام ولا النظام هزم الشعب الثائر، وبقيت لغة القتل والتشريد والدمار هي السائدة.يمكن أن نقول ان ما يجري في سورية ما هو إلا امتداد للربيع العربي، ولكن الأنظمة التي أسقطها هذا الربيع تختلف فعلا لا قولا عن النظام السوري، فهو نظام مخابراتي من الدرجة الأولى، فلا أحد فيه يثق في الآخر كل فرد منه مدني سياسي أو عسكري يخابر ويتجسس على الآخر مشكلا شبكة عنكبوتية من المخابرات أسس لها حزب البعث وخلاياه السرية من نشأته. كما أن الرئيس الحالي يعتمد داخليا على طائفة علوية وضع تحت تصرفها الثروة والسلطة، وخارجيا يعتمد على روسيا سياسيا وعسكريا وعلى إيران، وهاتان الدولتان من الصعب عليهما أن يتخليا عن النظام السوري لعدة اعتبارات سياسية واقتصادية وإيديولوجية بالنسبة لإيران مثلها كحزب الله في لبنان. والشعوب يبدو أنها أيضا تختلف تماما، فالأنظمة التي تهاوت تحت ضغط الشعوب كما حدث في كل من تونس ومصر كان للجيش دور بارز في الإسراع بسقوط رأس النظام سبيلا لإنقاذ البلد من الدمار، أي أن كلا من الشعبين ثار على نظامه بجميع طوائفه وشرائحه وأحزابه المختلفة، وتلاحم معهما جيشاهما كلا لا بعضا،أما النظام الليبي والذي يعتبر الأقرب بالنظام السوري فكريا وسياسيا ومخابراتيا فلم يسقطه شعبه ولا جيشه وإنما أسقطه حلف الناتو كما فعل بالنظام العراقي سابقا لحاجة في نفس ساركوزي وأمريكا واللوبي الصهيوني، وكان يريد أن يسقط النظام السوري كذلك، وحشد الدعم من المنظومة الدولية باستثناء روسيا التي رفضت الانصياع لحلف الناتو لأسباب سياسية واقتصادية، ولربما تكون متفقة هي وأمريكا سلفا على هذا الموقف وبالتالي تكون رابحة من أمريكا بصفقة سرية،ومن سورية بشكل علني، لكن حلف الناتو لا يأمن النظام البديل أن يكون إسلاميا متطرفا حسب زعمهم وبالتالي فإن ذلك سيكون وبالا على إسرائيل. وبقي يؤيد سقوط النظام ظاهريا بدعمه للمعارضة السورية في المنفى ودعمه للجيش الحر بطريقة غير مباشرة أي عن طريق تركيا الداعمة هي الأخرى للمعارضة السورية داخليا وخارجيا ولكنها أيضا على حذر يسبب موقعها المحاذي للحدود السورية. ويؤيد بقاء النظام خفية لمصلحة إسرائيل وعداوة منه في الشعب السوري، وخوفا من تحكم الإسلاميين كما وقع في بعض دول الربيع العربي.أما دول الخليج فهي منقسمة حول القضية السورية ما بين مؤيد للثورة والداعم للشعب السوري الثائر كدولة قطر والسعودية ومعارض لها كدولة الإمارات العربية المتحدة التي لا تؤيد الثورات العربية إطلاقا بل تقف ضد كل من يحاول أن يبسط نفوذه بالثورة الشعبية تحت غطاء الحركات الإسلامية أو ما يمت إليها بصلة، وتعتبر أن ذلك يهدد السلم ومستقبل الدول العربية بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص. ولم تأل الدول الخليجية المساندة لقضية الشعب السوري وحقه في تغيير النظام، ولا الدول العربية الأخرى لم يأل الجميع جهدا عن إخوانهم السوريين.صحيح أن إرادة الشعب لا تقهر، ولكن الأنظمة المخابراتية لا تسقطها الثورات الشعبية، ولا يسقطها تعاطف دول الربيع بأنظمته الجديدة التي لديها من المشاكل الداخلية ما يكفيها ويجعلها منشغلة بإعادة ترتيب بيتها الداخلي وتثبيت رؤيتها ومحاولتها إقناع الشعوب التي أوصلتها إلي سدة الحكم. المخطط الغربي الذي كان يستهدف القادة العرب يبدو أنه اختل، فقد بدأ بقتل الشهيد صدام حسين، ثم القذافي وكان بشار في الطابور وبعده البشير والقائمة تطول، ولكن السبب في اختلال هذا المخطط هو بروز أنظمة عربية ذات مرجعية إسلامية أكثر خطورة على الغرب والكيان الصهيوني من الأنظمة القومية العربية، فغيروا الإستراتيجية بدعم الفتن والحروب فيما بين الشعوب، وتقسيم ما استطاعوا كما فعلوا في السودان، ومازالوا يخططون لإزالة الأنظمة العربية ذات المرجعية الإسلامية الداعمة للقضية الفلسطينية والمعادية للسامية.جمال ولد محمد سالم – الدوحة – قطرqmnqpt