تجربة الثورة المصرية.. آفاق المستقبل وإرادة الانتصار

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل وسط فوضى من ضجيج التصريحات والتكهنات بخرابٍ اقتصاديٍ عاجلٍ ووشيك والأحداث الهزلية الغرائبية والاتهامات المتبادلة (ووصلات الردح أحياناً)، وعلى خلفية مزاجٍ عام تتغلب وتتقلب عليه مشاعر متضاربة ومتباينة من مرارةٍ إلى غضبٍ إلى شعورٍ بالغدر والخديعة إلى انعدام مبالاةٍ لدى فصيلٍ واسع ومشاعر نصرٍ وشماتةٍ ونهمٍ إلى المزيد لدى البعض الآخر، وإذ يستغرق الشارع السياسي استقطابٌ حـــــاد وشرسٌ بيـــن جبهتين يفصل بينهما شرخٌ عميق يتعلق بموقف كل منهما من قضية النظر إلى المستقبل من خلال منظور الهوية بأسئلتها العالقة التي لم (وربما لن) تحل والتعامل مع التراث، وهو الشرخ الذي قسم المجتمع رأسياً وزاد من هوته حالة التربص ولا أبالغ إذ أقول العداوة بين من أصبحوا ‘فرقاء’ الوطن، وفــــي محيــــطٍ إقليمي يمـــــوج بالـــثورات والصراعات مع ما يؤدي ذلك له من احتمالات إعادة رسم خريطة التوازنات وعالمٍ أوسع تظهر فيه عمالقة جديدة كالصين وتصارع عمالقةٌ أخرى على مكانتها… في خضم كل ذلك تستقبل مصر الذكرى الثانية لحراكها الثوري الذي انطلق في الخامس والعشرين من يناير 2011. تستقبله وكلا الطرفين يجهز أوراقه ويراجع حساباته ويعمل عقله وجهده لتوسيع دائرة شعبيته وحشدها استعداداً لانتخابات مجلس الشعب، حيث تسعى قوى الإسلام السياسي لاهثةً لتكريس ما تعدهما انتصارين متتالين، الأول في معركة الرئاسة بفوز د مرسي والثانية في إقرار الدستور، والقوى المناوئة تهرول خائفةً لإيقاف ذلك المد الآخذ في التغلغل إلى مؤسسات الدولة وقوانينها وربما عكسه إن استطاعت مسكونةً بهاجس إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولعل القاسم المشترك الأبرز بين الطرفين هو الإيمان الذي يصل أحياناً حد اليقين الغيبي أو الديني بحتمية أن تتطور الأمور في النهاية وفقاً لتصوراته وآماله وأن تؤول الثورة ومستقبلها إليه.

من هنا، فإني أود أن أركز على عدة نقاط، أولها يتعلق بالثورات والتاريخ.

للحتمية التاريخية تاريخٌ طويل مع شعوب منطقتنا وربما عن طريقنا عرفها العالم، وهي ببساطة (ودون الدخول في تعقيدات التنقيب عن أصلها التاريخي في حضارات المنطقة الموغلة في القدم) تتجسد في الإيمان بانتصار الخير على الشر والإيمان على قوى الكفر والعدل على الظلم في نهاية المطاف وفقاً لخطةٍ مرسومة بعناية وكل تفاصيلها معدة سلفاً من لدن السماء، وما التاريخ البشري سوى قصة هذه الصيرورة والتطور حتى نصل إلى لحظة الانتصار هذه حيث يحل آخر الزمان وما الشخصيات التاريخية سوى أبطال هذه الملحمة… ولما أخذ الأوروبيون عنا الديانات تسللت هذه الفكرة وتغلغلت في الفلسفات وعلوم الاجتماع بعد أن طرحوا عنها ذلك النفس الديني حيث تعتقد مدارس فكرية عديدة، مثالية أو مادية بأن التطور التاريخي محكوم ويسير في طريقه نحو نهاية محددة تختلف وفق منطلقات هذه المدرسة الفكرية… ودون التطرق إلى تعقيداتٍ فكرية ليس هنا مجالها فإن المثال الأبرز على ذلك هو الاتحاد السوفييتي السابق، إذ عقب خروجه منتصراً على ألمانياً النازية مجتثاً لها وأمام تضحيات أبنائه الأسطورية راهن كثيرٌ من اليساريين والحركات التي يمثلونها شرقاً وغرباً على الحتمية التاريخية للثورات في مجتمعاتهم نظراً لنضج الظرف الموضوعي وحدة التفاوتات والصراعات الاجتماعية… إلا أن هذه الثورات لم تأت في أحيانٍ كثيرة، وحين أتت فقد سقطت وكنس ركامها مع الاتحاد السوفييتي المقبور… حينذاك بدأت مقولات بعض المفكرين الألمع عن حركة التاريخ الأكثر تعقيداً من الحتميات المبسطة وعن الدور الفائق الأهمية لعوامل أخرى ثقافية بعضها متوارث ودينية تجد رواجاً (مع العلم بأن بعضها جاء مبكراً وتنبأ به) وصار البعض يتحدث عن تعرجات ذلك التاريخ التي لا تنفي حتمية النصر النهائي، تماماً كما يعتبر المؤمن ما يحل به من شرٍ أو مرضٍ أو همٍ ابتلاءً وكما اعتبرنا هزائمنا محناً واختبارات.

أما عن علاقة ذلك بنا فهي وطيدة، فواقع مصر وسائر الدول العربية كان رثاً مهزوماً طيلة ما يزيد على الثلاثة عقودٍ السابقة، كان وضعية ثورة، فكل زائرٍ أو مار بالبلد يرى مقدار الخراب والترهل والسرقات والظلم والقهر والقمع لا يملك سوى أن يعجب أيما عجب من الكيفية التي استمر بها مبارك طيلة ذلك الوقت… إلا أنه استمر… وكنا نرى مبررات ذلك في فائض القمع وتردي المستوى التعليمي وبعض التفسيرات القدرية حتى باغتته ثورةٌ لم يتوقعها أو يعد لها أحد، وإنما قدح شرارتها تطورٌ في وسائل الاتصالات (الفيس بوك) فانفجرت ناضجةً على أرضية الأزمة الاجتماعية-الاقتصادية القديمة المتفاقمة. بناءً على كل ما سبق، وعلى الرغم من كون الحراك الثوري المصري يتم قيادته بعيداً عن تحقيق مكتسباتٍ اجتماعية واقتصادية للطبقات المحرومة المسروقة والمهمشة التي تشكل سواد الشعب المصري وكانت مادة الحراك الثوري، وأمام ما نراه من من انهيارٍ اقتصادي وتدهورٍ في كل الخدمات العامة وتخبطٍ في القرارات يصل حد الهزل كثيراً بصورة باتت مملة، فإنني لست من أولئك الذين يراهنون على الظروف الموضوعية لأؤمن بحتمية أن يؤدي ذلك إلى تغييرٍ أكيدٍ في موازين القوى على الأرض، ولا أمتلك من التفاؤل ذلك القدر الذي يسمح لي بأن أجزم بمصيرٍ ما أو انتصارٍ لأحد الفصيلين، إذ إنني على الرغم من إقراري بتغيراتٍ عميقة وعريضة في وعي وإدراك جموع المصريين الذين عادوا إلى دائرة الفعل والجدل العام مازلت أدرك تعقيدات الواقع ومفاجآته وثقل الميراث القمعي والتغييبي كما أدرك أننا لسنا وحدنا في العالم وإنما نقع قلب المنطقة الأهم بلا جدال وأن أطرافاً إقليمية ودولية ذات مصالح حيوية لن تقف مكتوفة الأيدي لتراقب الحراك المصري يتطور وفق معطياته الداخلية.

إنني أكتب لأحذر من الاستجابة لإغراء الإيمان بحتمية انتصار مطالب الثورة القريب ومؤكداً على الدور الرئيس والأخطر للإرادة، وإرادة الانتصار بشكلٍ أخص، في صنع التاريخ… فإذا كنا قد تعلمنا شيئاً عن التاريخ الحديث فهو تعرجات حركته، ولكي نصل إلى أهدافنا لا يكفي الإيمان باستمرار الثورة ورفعها شعاراً وإنما يتعين العمل الجاد… أنا لا أعني بالضرورة الاعتصامات المستمرة ومعارك الأيدي في الشوارع (وإن كنت لا أعترض عليها من حيث المبدأ، فلها وقتها ودورها…) فللنضال طرقٌ أخرى… من ذلك مثلاً وهو الأكثر إلحاحاً أن تدرك كافة القوى المدنية أنها لا تملك رفاهية الصراعات الصغيرة وإنما عليها أن توحد صفوفها وتبلع خلافاتها وتنسق حركتها إذا أرادت أن يستمر وجودها ويكون لها دورٌ فعال وأن تناضل ضد كل من يصور أن الثورة عملٌ تم وأُنجز في الماضي.

يحق لنا أن نتحدث عن الحراك الثوري المصري باعتباره تجربةً فريدة، فهو إن اتفق مع السمات الكبرى لكل الثورات الشعبية فإنه يختلف عنها (حتى الإيرانية) بطبيعة اختلاف المزاج الشعبي والثقافة بمكوناتها المختلفة والدينية منها والميراث الحضاري الأوسع فضلاً عن ظرفي الزمان والمكان المختلفين، وككل حراكٍ مازال مستمراً لم يصل إلى نهايته ولم تطوَ صفحته بعد… مازال الوقت مبكراً للحديث أو الكتابة عن الثورة المصرية بصيغ الماضي، فمازال الواقع المصري في حالة سيولةٍ شديدة وعلى ذلك فهو مفتوحٌ على كل الاحتمالات، إيجابيةً كانت أم سلبية، وفي رأيي أن أكبر جريمة قد نرتكبها في حق المستقبل هو أن نحكر عليه بصيغٍ معدة سلفاً.’ كاتب مصري زميل الكلية الملكية لأطباء التخدير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية