التغيير الممنوع بعد عامين من الربيع العربي

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابيفي مثل هذا العام قبل عامين كان الوضع العربي على مرجل من نار، حيث الثورات الشعبية تتوسع دائرتها وتنتقل من بلد الى آخر، في ما بدا آنذاك ربيعا واعدا. وحتى ذلك الوقت لم تشهد الجماهير الشابة فرصة كتلك لتعميق الشعور بالفخر والانتماء، فقد ادى نزول الشعوب الى ساحات التغيير الى ما يشبه التسونامي السياسي غير المتوقع، فسقطت رؤوس كان الغرب يدعمها ويصر على عدم التفريط بها. وبدا لبضعة اسابيع ان الشعوب العربية ستكنس الانظمة الرجعية من مواقع الحكم وتعيد للشعوب دورها في ادارة نفسها واختيار انظمتها الحاكمة. ولكن سرعان ما اتضح ان الماضي الاسود بقي معششا في اوساط الامة، يرفض اخلاء الساحة او التغير باتجاه الافضل. وما لم يكن بالحسبان آنذاك ان ثمة خطة شيطانية للالتفاف على ثورات الشعوب العربية كانت قيد الاعداد، وان الاموال النفطية العملاقة وضعت تحت تصرف القوى الغربية القادرة على التدخل لوأد الثورات او احتوائها. وفي غضون شهور قليلة بدأ مشروع الثورة المضادة ينفذ على الساحة، في غياب القيادت الشعبية القادرة على التصدي للتحالف الشيطاني المتآمر ضد تلك الثورات. وحتى الآن لا تبدو تلك التحالفات غير المقدسة واضحة للعيان، بل بقيت متخفية وراء الشعارات البراقة، ومشغولة بالتخطيط للانقضاض على تلك الثورات. لقد عادت اليها اجواء ثورة ايران في مطلع 1979 عندما كان عرش الطاووس مهددا بالسقوط امام زحف الجماهير. وقتها ساهمت الاموال النفطية والهيمنة الغربية في صد رياح التغيير الثوري من الوصول الى العالم العربي، ولكنها وصلت بعد 32 عاما ذاقت شعوب المنطقة خلالها ويلات الحروب والتشظي والاستبداد والتنكيل بالاحرار. كان فجرا واعدا لكنه سرعان ما تلبد بالغيوم فحجبت الرؤية عن عيون قادته ومنظريه، فاذا بسفينته تبحر في بحر عجاج بدون ان تدرك وجهتها الحقيقية. كان المطلوب خلق الحواجز الضرورية لوقف مسيرات الشعوب وتداعي صروح الانظمة المدعومة من الغرب، على حساب الشعوب المظلومة. وبعد عامين من ذلك الحراك الثوري الفريد من نوعه، اصبح من الضرورة بمكان اعادة قراءة ملف الثورات، خصوصا التي انحصر نجاحها باسقاط رؤوس الحكم في بلدانها مع بقاء الانظمة السابقة، بما لديها من علاقات واتفاقات مع الدول الاخرى، قائمة.ولكي يكتمل الاهتمام واعادة التقييم، يجدر طرح حقائق مهمة لها مصداقيتها، إن بقيت آليات الانظمة القديمة التي اسقطتها الشعوب، فقد بقي القديم، وتباطأ الجديد، واذا استخدمت ادوات الماضي لمصادرة الحريات فما جدوى ادعاء حدوث التغيير؟ وعندما يتحالف ‘العالم الجديد’ او ‘العالم الحر’ مع انظمة تنتمي للماضي، فان عقارب الساعة تتوقف وتضعف دماء الشهداء عن تحريكها. وما يختلج في نفوس الكثيرين اليوم من ابناء الامة يتأرجح بين القنوط من القدرة على التغيير بسبب المؤامرات التي تحاك ضدهم بهدف ابقاء الامة متخلفة في عالم الاستبداد والطغيان، والأمل بحتمية حدوثه بعد ان استيقظ شباب الامة من سبات طويل، وأصر على تذوق طعم الحرية. وبين هذا وذاك يتواصل الصراع في كافة بلدان العالم العربي، ومن ضمنها مصر وتونس وليبيا التي سقط زعماؤها ولكن بقيت اشباحهم تعيق تقدم التجربة الديمقراطية. ويمكن القول ان النفاق السياسي واحد من اخطر الصعوبات التي تواجه المشروع التغييري. فالقوى التي دعمت الاستبداد طويلا اعادت تسويق نفسها في مظهر الداعم للديمقراطية والمشجع على التغيير. فالسياسي الغربي مستعد لدعم نظام فردي او قبلي مستبد، وقادر في الوقت نفسه على التظاهر بدعم التغيير ضده. وفي المقابل فان دعاة التغيير معرضون للانخداع بالمظاهر السياسية، خصوصا في غياب التجربة وعمق المشاعر الانسانية التي تمنعها من قراءة ما وراء ظاهر تلك الجهات. فمصر اليوم مثلا لا يمكن مقارنتها بما كانت عليه في عهد حسني مبارك من حيث الحريات والحكم وفق ارادة الجماهير ونتائج صناديق الاقتراع. مع ذلك فالحملة ضد نظام الحكم الذي يديره الاخوان المسلمون لا تتوقف من قبل قوى الثورة المضادة. ولا شك ان الاسرائيليين يشاركون في توجيه الحملة ضدهم. هذا لا يعني ان حكم الاخوان معصوم من الاخطاء ولكن، مهما كان الامر، لا يمكن مقارنته بنظام مبارك او السادات. ولا يستطيع محمد مرسي ان يتحول الى ديكتاتور كمن سبقه لان صناديق الاقتراع ستسقطه اذا فعل ذلك. ويمكن توجيه اللوم الى جماعة الاخوان نفسها عن هذا الوضع لانهم لم يتصدوا لنظام مبارك بشكل حازم عندما كان يترنح، بل اعتقدوا ان كسب رضا العسكر سيوفر عليهم مهمة المواجهة التي قد تكون دموية في بعض فصولها. ايا كان الامر فان الوضع المصري واعد بشرط ان يلتزم حكامه الجدد بمبادئ عديدة، اولها ان الشعب مصدر السلطات وان الحزب او الطائفة ليست بديلا عن الشعب. ثانيها: ان يعي الشعب ان قوى الثورة المضادة تعمل ليلا ونهارا لافشال تجربة التغيير عن طريق الثورة في مصر، البلد العربي الاكبر، ولن توفر وسيلة مهما كانت قذرة في سبيل تحقيق ذلك. ثالثها: ان يكون هناك التزام بالدستور الذي أقره المواطنون بتصويت حر باغلبية تصل الى ثلثي الذين ادلوا باصواتهم، والا يتم تجاوز ذلك الدستور او العبث به، فهو الوثيقة الملزمة للجميع وهي اساس الحكم في هذا البلد. رابعها: ان يدرك الحكم انه لن يستطيع البقاء في محيطه العربي والاسلامي ما لم يكن ذلك المحيط يعيش في ظل منظومة سياسية متطورة تمثل الشعوب اساس قوتها. خامسها: ان يعي الحكام الجدد ان مصلحة مصر مرتبطة بمصالح الامة التي تجمعها قضايا مصيرية عديدة من اهمها قضية فلسطين.جديد مصر لن يكون جديدا الا اذا حل حكم القانون محل الحكم الفردي وانطلقت شرعيته من الاقرار الشعبي. وستظل مصر في رحمة الصراعات الداخلية بين القوى السياسية المتعددة بضع سنوات قبل ان تستقر على ارضية ديمقراطية متينة. ومن المتوقع جدا ان ترتدي الثورة المضادة لباس التغيير والثورة، مستغلة التوترات النفسية والحساسيات الحزبية والفئوية، لتستعيد الامساك بزمام المبادرة السياسية وفرض الاجندة الساعية لبسط نفوذ ‘الحرس القديم’ على شؤون البلاد. هذه الحرب المفتوحة لن تقتصر على تنظيم الاضطرابات السياسية والتظاهرات واستهداف دستور مصر، الذي ان سقط فستكون الثورة الخاسر الاكبر، بل من المتوقع ان يتواصل العبث السياسي ليمتزج بعبث فكري وايديولوجي حتى تتم شرعنة الانقلاب على الحرية والديمقراطية باساليب براقة. وستظل المشكلة الدائمة متمثلة بابقاء ‘الخلايا السرطانية’ من الانظمة القديمة لترتع وتنتعش في ظل الاوضاع الجديدة بهدف القضاء التدريجي على ما تحقق من تغيير. وثمة حقائق في واقع البلدين من اهمها الضعف الاقتصادي والحاجة لضخ دعم خارجي في الموازنات المحلية التي لعبت بها ايدي الاستبداد والديكتاتورية. هذه الحاجة (بعضها حقيقي وبعضها مفتعل) تطرح كمبرر لمهادنة قوى الثورة المضادة والسعي لكسب ودها، الامر الذي يضعف معنويات الثوار ويوفر لتلك القوى زخما معنويا وسياسيا. ان الثورة لن تكون ثورة ما لم تكن هناك مفاصلة مع الماضي الاسود، خصوصا مع قوى الظلم والاستبداد التي لا يمكن اصلاحها وان تغيرت اشكالها وازياؤها. وثمة سعي حثيث لاظهار نظامي الحكم في كل من مصر وتونس تارة بالضعف واخرى بالتراجع وثالثة بقمع الحريات، ورابعة باضطهاد المرأة، وخامسة بالديكتاتورية. انها بعض اساليب قوى الثورة المضادة التي لا بد من وعيها بشكل موضوعي ومنع نجاحها في حرف مسارات التغيير.فواتير عدم الحسم مع قوى الثورة المضادة، سواء من بقايا الانظمة السابقة ام التحالف الجديد من القوى المناهضة لمشاريع الثورة والتغيير، ستظل تلاحق المشروع التغييري في المستقبل المنظور ما لم يحدث تغير في منهج القوى الحاكمة الجديدة، خصوصا نظرتها للانظمة السابقة ومدى امكان التعايش معها. فمسلسل التآمر ضد خطط التغيير عن طريق الثورات لن يتوقف ما لم يظهر القادة الجدد مستوى من الصمود والوعي والحزم ازاء قوى الثورة المضادة. مطلوب من هذه القيادات الجديدة استيعاب خطر بقاء رموز الحكم الاستبدادي في مواقع اتخاذ القرار او العمل في المؤسسات الحساسة. هذه العناصر كانت تمثل العمود الفقري للاستبداد، وبالتالي فان اعادة تدويرها بمسميات ومهمات جديدة لن يخدم مشاريع الاصلاح السياسي المنشودة. وفي الوقت الذي تساهم فيه بعض السياسات الخاطئة من الحكام الجدد في اثارة الرأي العام ضدهم فان وجود عناصر التأزيم قد يؤدي الى ردود فعل رسمية لا تنسجم مع قيم الحرية وحقوق الانسان، وبالتالي يبدأ اعلام قوى الثورة المضادة بمقارنة الحاضر بالماضي لتثبيط الجماهير والتحريض ضد الحكام الجدد، خصوصا اذا كانوا من المحسوبين على الاتجاهات الاسلامية. ومن ابشع الامور اعادة فتح السجون السياسية للمعارضين الذين يبالغ بعضهم في استهداف الحكم وربما التآمر ضده. فالعالم ينتظر ان تكون انظمة ما بعد الاستبداد ديمقراطية تحترم حقوق الانسان وتوفر لمواطنيها حق الشراكة السياسية الحقيقية، بعيدا عن الاعتبارات الفئوية. وتشير المعلومات المتوفرة ان اعداد الخبراء الامنيين الغربيين في الدول التي تشهد حراكات سياسية جادة في تصاعد مستمر، ومعهم الخبراء العسكريون وصفقات السلاح العملاقة. ومما يبعث على التقزز ان تتظاهر الدول المحكومة بالاستبداد بحرصها على مصالح الشعوب الاخرى، فتلك قراءة مقلوبة للاوضاع، واستسخاف للعقل العربي وازدراء بقيمة دماء الشهداء وضحايا التعذيب المتواصل.ثمة مفارقة لا بد من طرحها لتوضيح صورة العنف السياسي الذي تمارسه انظمة الاستبداد، وبعض المجموعات التي تمارس العنف ضد مناوئيها بدون رحمة. فالانظمة التي تقوم بالقهر والقتل لا تستطيع ان تقيم انظمة منفتحة على شعوبها، متمسكة بقيم حقوق الانسان ومنظومات العدل والمساواة بين المواطنين. هذه الانظمة تقابل من يعارضها بالكلمة والرأي، بالسجن والتعذيب. وان خرج المواطن متظاهرا فتقابله بالقتل. ومن الصعب المواءمة بين الثقافة التي تؤسس لحرية التعبير وتعتبرها حقا مشروعا للمواطنين، وتلك التي تنطلق على اساس القهر والغلبة بحد السيف. ولتوضيح الصورة يمكن ايراد نشوء دعوة رسول الله عليه افضل الصلاة والسلام، التي قامت في اساسها على طرح الفكرة والدعوة السلمية واحترام الآخرين ومعتقداتهم وعدم اكراههم على اعتناق الدين الجديد. في مقابل ذلك كانت عقلية القبيلة لا تسمح بطرح الخطاب المناوئ لهيمنتها وسطوتها. فكان السيف اداة السجال والحوار بين الفرقاء، ولذلك تعرض النبي محمد بن عبدالله للقمع والاستهداف الشخصي، بالعنف المادي واللفظي، ومورست بحقه وصحابته كافة اساليب التنكيل، ومنها الحصار الاقتصادي في شعب ابي طالب، الذي استمر ثلاثة اعوام. ثقافة استهداف المعارضين فكريا وسياسيا بالقوة ليست جديدة، بل لها جذور في التاريخ الذي يحتاج الى تنقيح واعادة قراءة، لفرز ذوي ثقافة القتل والتنكيل بالمعارضين عن قيم الحرية التي جاء بها الاسلام. ان ثقافة التنكيل بمن يختلف مع الحاكم او ينتقد حكمه بالكلمة والموقف تملأ صفحات من تاريخ الامة التي ابتليت بحكام (في الماضي والحاضر) ينكلون بمعارضيهم ايما تنكيل. فالمعتمد بن عباد، مثلا، وهو احد ملوك الطوائف في الاندلس، كان يزرع جماجم خصومه في ساحة منزله ويعلقها على الاعواد. مطلوب من قوى التغيير ان تصعد بثقافتها على موروثها الثقافي والسياسي الذي يحتوي على صفحات سوداء كالحة من سوء معاملة المختلفين في الرأي والموقف، وهي ثقافة لا تنتمي للاسلام بل الى الجاهلية.مع استذكار الربيع العربي، يحدو الشعوب العربية الامل بان لا يتحول ذلك الربيع الى ذكرى جامدة، بل ان تصبح ذكراه منبرا لدعم ثورات التغيير لتنهض الامة بعد عقود من السبات والتخلف. هذه الشعوب مطالبة بالحذر من محاولات تشويه ذلك الربيع وازدرائه وتحميله مسؤولية تردي اوضاع الامة وتغول انظمة الاستبداد لكي تحمي نفسها من زحف الجماهير المتطلعة للحرية والاستقلال والكرامة الانسانية. مطلوب من الانظمة التي صعدت الى الحكم على انقاض حكومات الاستبداد ان تتصدى لمهمة التغيير الشامل في الامة في عالم يرفض التطور والاصلاح. فالضغوط على مصر وتونس انما هي من اجل الانسحاب من ساحة التغيير والتخلي عن خطاب الاصلاح، في مقابل اغراءات مالية عملاقة. مطلوب ان تعي هذه الانظمة انها ستكون مهددة بالسقوط ان استطاعت قوى الثورة استغفالها او تضليلها او تحجيمها، فعندئذ ستتضافر عوامل سقوطها لان السمكة لا تستطيع ان تتنفس في غير محيطها المائي النقي.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندنqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية