عادل العوفيكم أبدو قاسيا في أحكامي وأتسبب للآخرين بأذى نفسي عميق بهذه الخلاصة خرجت وأنا أتابع مراسيم الاحتفاء التاريخي التي حظي بها نجم برنامج أحلى صوت المغربي مراد بوريقي حتى أن التلفزيون الرسمي استضافه في إحدى نشرات الأخبار الرئيسية (المسائية تحديدا) وهذه خطوة ثم حظوة لا ينالها أي احد فأسوار هذا الجهاز الإعلامي لا تقبل بل لا ترضى بان يدنس ترابها الطاهر مجرد مغن عادي أما أن تخصص لك أكثر من عشر دقائق للحديث عن انجازاتك العظيمة وغزواتك المظفرة فهذا شرف كبير للموهوب المغربي. ولعل ما يفسر فرحتهم وغبطتهم الشديدة بما يسمونه الانجاز أنهم تجشموا عناء إجراء اتصال هاتفي خارجي مع فارس الأغنية العربية الفنان اللبناني عاصي الحلاني والذي أسهب في التهليل بقدرات المعجزة المغربية بل حتى انه اسر لهم على الهواء مباشرة بخبر نية الشركة الفنية التي تبنت صوته إنتاج البوم غنائي وتصوير كليب قريبا جدا، وهذا سبق صحفي يحسب للإعلامي المغربي محمد راضي الليلي الذي أدار النقاش ونسي آو تناسى انه في مهمة رسمية فأتحفنا بالحديث بلكنة لبنانية حاول مقاطعة عاصي الحلاني بها قائلا (خلينا يا عاصي ننظر لمستقبل الفنان الشاب) تنبئ بمواهبه المتعددة هو الأخر فتخيلت نفسي أشاهد برنامجا فنيا يعرض بالخطأ في ذلك الأستوديو المخصص لنشرات الأخبار قبل آن يواكبه ابن مدينةأسفي هو الآخر بتحية خالصة بذات اللهجة فأعدت التدقيق المرة تلو الأخرى في شعار القناة حتى اتأكد مليا بأنني أشاهد قناة مغربية لا لبنانية (مع تقديري الشديد للبنان) لكن السؤال الأبرز كيف يفتخر هؤلاء بتشريف راية الوطن كما يقولون وهم يخجلون من الحديث بلهجتهم المحلية؟ قد يكون ذلك عاديا ومقبولا لو كان الحوار يدور على قناة عربية أخرى ولكنه ليس كذلك في تلفزيون مغربي، أبدا ليس العيب في الإشادة بالمواهب المحلية أينما أبدعت وتألقت ولكن المستهجن مسايرة موجة السخافة هذه من لدن تلفزيون رسمي من المفترض فيه بلورة وعكس طموحات والآلام وآمال المواطن المغربي، الأكيد أننا لم نعد نستطيع تلمس الفارق بين قناة خاصة هدفها الأساسي والمعلن تسويق منتوج فني معين (ولو أن السمة البارزة تميل الى السطحية والركاكة وهي السائدة في هذا العصر وبين جهاز إعلامي رسمي ضائع بين هذا وذاك وبدون هوية وملامح واضحة رغم ان ما خفف من وطأة استغرابي الشديد هذا ان فضائيات عربية أخرى حذت حذو تلفزيوننا المصون وخصصت ساعات بث للإشادة أو للتظلم مما تعرض لها ممثلها الرسمي من لدن القناة السعودية غير أنني وإحقاقا للحق لم أشاهد نشرة أخبار في محطة رسمية واحدة تسير على ذات المنوال المذكور، سبق وحذرنا من الافراط في التعاطي مع هذه النوعية من البرامج التي تضطلع ‘بدور رئيسي وبارز في التفريق وزيادة الفرقة بينهما وهذا ما ‘تجلت ملامحه في المناوشات الدائرة بين جمهور كل متسابق مما يؤجج كل هذا الشتات العربي الحاصل (والذي نحن في غنى عنه أصلا ولعلها السبب الرئيسي لنفوري واشمئزازي من كل هذا التطبيل والتزمير لها) مقابل تغييب برامج جادة بعيدة عن لعبة الأرباح المادية السريعة والقياسية ذات أهداف نبيلة وسامية ولا داعي للتذكير بها في كل مناسبة.
الحياد المغربيقد يبدو للعيان والمهتمين والمتألمين للواقع السوري الحالي وجود حالة من الحياد الغير مبرر من لدن الإعلام ألمغاربي تجاه الثورة السورية، صحيح هناك حالة تعاطف شعبي لا مناص من الاعتراف بها لكنها لا تكفي ولا تلبي الحاجة المطلوبة والدور الملقى على كاهلهم وعليهم الاضطلاع به، فالمتتبع عن قرب لهذه الوسائل الإعلامية سيجد ترددا واسعا من البعض في تسمية الأشياء بمسمياتها الأصلية ومرورا سلسا وطبيعيا للبعض الآخر على الأحداث فلا يكاد الواحد منا يلمس فرقا شاسعا بين ما يجري في جزر الكناري او الدماء التي تسفك في سوريا البلد الشقيق، والواقع أنني أصبحت على يقين تام وأنا أتابع حلقة من برنامج ناس نسمة على قناة المغرب الكبير نسمة والتي خصصت إحدى فقراتها للحديث عن التونسيين المتواجدين بسوريا وتمت استضافة المصور الصحفي علي القربوسي ‘القادم للتو من الشام حاملا معه ‘ملفا يلفه غموض كبير وأثار ضجة إعلامية في تونس خصوصا مع تقديمه من لدن التلفزيون الرسمي التونسي على انه مقاتل ضمن الجيش السوري الحر وهو ما نفاه جملة وتفصيلا واختار البرنامج ليكون صلة وصل بينه وبين الجمهور وليفصح أكثر عن مغزى مغادرته لسوريا (أتحسر حقا أن السفر إلى شام الحضارة بات ‘بمثابة الشبهة و يحتاج لتقديم تفسيرات وتوضيحات كي لا يساء فهمك) وبوجود الصحفي التونسي محمد بوعود ‘من جريدة الصحافة وهو الذي أنجز تحقيقا خاصا حول ذات الموضوع وقدم معطيات أصابت وزير الشغل التونسي عبد الوهاب المعطر ‘المتواجد في الأستوديو لمناقشة مواضيع أخرى بالدهشة والصدمة نظرا لحجم الأعداد المغادرة للقتال في سوريا والتي يتم استقطابها حسب التقرير الذي بثه البرنامج عن طريق المساجد ليتم تدريبهم في نقاط معينة قرب ‘مالي آو في مدينة بنغازي الليبية وبعد ان يصبحوا جاهزين يرحلون إلى تركيا أو لبنان قصد الانضواء تحت ألوية مختصة تقوم هي الأخرى بإرسالهم إلى داخل التراب السوري وبالتالي القتال إلى جانب الجيش الحر، الواضح جليا حالة الانفصام التام للإعلاميين المغاربيين عن الوضع القائم فمذيع البرنامج الزميل العزيز حمزة البلومي استوقف ضيفه المصور الصحفي مستفسرا عن جبهة النصرة ومن تكون؟
، وهذا دليل فاضح على حالة الجهل المتفشية لدى الكثيرين من أمثاله ولعله واصل مسلسل سقوطه المريع حينما تدخل حاسما ذلك النقاش المحتد بين الوزير والصحفيين الحاضرين حول الموقف من المعارضة والنظام الدموي بأنهم ليسوا بصدد الوقوف بجانب طرف ضد آخر وهذه قمة الانحلال فتبني موقف حازم ضد الطاغية السوري ‘مسألة أخلاقية أولا وقبل كل شيء فمن يشاهد بأم العين المجازر المرتكبة يوميا ضد المواطنين ولا يهتز لها شخص مشكوك في إنسانيته أساسا، رغم أن تصريحات المصور علي القربوسي تفتح الباب على مصراعيه حول القيم والأهداف السامية التي يتحدث عنها الجيش الحر وهو الذي يقول انه رافق إحدى كتائبه في رحلته تلك، الحقيقة ان الحلقة جاءت غنية جدا بالمعلومات حول التونسيين المغادرين إلى سوريا والمقدرين في حدود الثلاثة آلاف شخص وهو رقم فظيع وقف حياله الوزير التونسي مذهولا وعاجزا عن تبرير تخلف حكومته وحرصها على أبناء شعبها، إلا أنني خرجت بخلاصة مفادها آن الحكومات العربية تحس براحة تامة كلما تخلصت من عدد معين من أبناء بلادها كأنهم هم وانزاح عن قلبها.
المثير للانتباه كم المعلومات الهامة التي أدلى بها ذلك الشاب التونسي رغم أن وقت ‘البرنامج لم يسعفه في ‘الإفصاح عن معطيات أهم وابلغ لكنه على الأقل يستحق التحية على ثقافته المحترمة ووعيه المفتقد لدى الكثير من شباب المغرب الكبير حول فلسطين وسوريا رغم اختلافي معه في الرأي حول بعض النقط الجوهرية ويبقى السؤال:
هل بات الجيش السوري الحر يقتفي أثر نظام الأسد المجرم؟.. لك الله يا سوريا.
الى كل الاطراف المعنيةبعد ان ضقت ذرعا بكل الخطابات السياسية التي لا هم لها سوى عد المكاسب والغنائم وجدت راحتي في متابعة الأغاني الوطنية التي ارتأت جل الفضائيات المصرية بثها تماشيا مع الوضع السائد، ولا اخفي عليكم آن الحنين لأيام الثورة المجيدة احكم قبضته على أحاسيسي فور مشاهدتي للكثير من تلك الأغاني على غرار يا حبيبتي يا مصر لشادية والملحمة الموسيقية التي باتت رمزا لثورة الخامس والعشرين من يناير واقصد بها يا بلادي للفنانين الواعدين رامي جمال وعزيز الشافعي، لكن المفاجأة السارة هذه المرة خلقتها أغنية جديدة بكلمات بسيطة مستوحاة من شكاوى المواطن المصري العادي الذي سئم خبث السياسة ورجالها وتحمل عنوان إلى كل الأطراف المعنية للملحن والمغني الشاب محمد رحيم، حقا نحن في أمس الحاجة للصراخ وترديد تلك المقاطع المتناسقة المؤثرة التي تقول بما معناه كفانا طمعا وشجعا ومراعاة للمصالح الشخصية على حساب مصلحة الوطن التي يفترض أنها فوق الجميع ولان الوقت ما عاد يخدمنا جميعا فمصر تسير إلى الهاوية وعندها لن يكون هناك متسع للمحاسب ة، شخصيا كنت أتمنى لو تم التصويت على تلك الكلمات بدل ذلك الدستور المثير للجدل والساعي لزرع الفتنة بين المصريين وليذهب كل الساسة وشعاراتهم المتهالكة إلى الجحيم.
طيف أصالة يطارد النظام يأبى النظام السورية وحاشيته إلا أن يطمس أية نقطة مضيئة تنبعث من ذلك السواد الحالك القاتم الذي يلف كل سيرته التي تشرف على النهاية وبالتالي إسدال الستار على الفصل الأخير الذي سيفتح الباب على مصراعيه له باتجاه المكان الأنسب واللائق بمحترفي الإجرام على شاكلته، أجد نفسي منساقا لوصف النهاية المحتومة دون سابق تخطيط ربما لان الواقع السوري الحالي لا يتحمل المزيد من الدماء والضحايا والخلاص الأكبر يتجلى في اختفاء هذا الكابوس الجاثم على صدور السوريين لعقود عديدة من المشهد العام نهائيا، وكي لا تذهبوا بعيدا في تفكيركم فان المقصود بالنقطة المضيئة وما ‘أنا بصدد سرده بالتفصيل والمتمثل في نقط جديدة طفت على السطح مؤخرا واجزم بكل تواضع أنها فاتت الكثيرين المنهمكين بالتفاصيل الأهم وتبرز بجلاء الوجه الآخر لنظام الممانعة والذي لم يتعرف عليه سوى المبدعين الذين اكتووا بناره وسطوته التي تكبس على أنفاسهم وهذا ما استنتجته مؤخرا عن طريق متابعتي الدائمة والدءوبة لكل الأعمال الفنية التي تتناول القضية الفلسطينية، ومن هنا لا احد يستطيع نفي النجاح الباهر الذي حققه مسلسل انا القدس للمخرج باسل الخطيب والذي أنتج قبل عامين تقريبا رغم كل العراقيل التي وضعت في طريقه وتمكن من اجتيازها والوصول إلى قلوب كل المشاهدين العرب (عكس حكومتهم) وفي هذا يحسب للتلفزيون السوري عرض العمل في وقت أحجمت كل الفضائيات الأخرى عن القيام بذلك، طبعا يعزى ذلك لأنها تعيش آنذاك أزهى فتراتها في تجسيد دور المناصر والعراب الأول للقضية الفلسطينية {قبل سقوط الأقنعة } لتحذو محطة المنار التابعة لحزب الله حذوها وتعرض المسلسل مع بعض التعديلات الروتينية تماشيا مع القيم الدينية ومنها حذف صوت المطربة في شارة البداية والنهاية وهنا مربط الفرس ففي هذه الأيام عادت قناة سوريا دراما لعرض ذات المسلسل مع الاحتفاظ بنفس التعديلات التي أسست لها الفضائية اللبنانية، قد يبدو الآمر طبيعيا للوهلة الأولى وكلنا يعرف التوأمة والتلازم وحتى التطابق التام في الأفكار (وفي الأفعال أيضا) بين الجهتين ولكنه لن يبقى كذلك إذا علمنا أن من غنت شارة المسلسل ليست سوى المطربة المتميزة أصالة نصري المعروفة بمواقفها الداعمة للثورة السورية، الغريب انه وفي خضم كل ما يجري على الساحة لا يزال هؤلاء مصرين على قمع كل من يقف في وجه نذالتهم؟ فكيف كان المبدع والفنان السوري يدافع عن أعماله أمام كل هذه الغطرسة والنظام في أوج قوته؟ سؤال يحمل في طياته جوابا مريرا.’ كاتب من المغرب[email protected]