حمّودان عبدالواحد في الوقت الذي تخشى فيه أمريكا ومعها إنجلترا من التورط مباشرة في مالي ومنطقة الساحل الإفريقية، بعد تجربة فاشلة ومكلفة جدا على المستوى الانساني والمالي والزمني في العراق وأفغانستان خصوصا، فاجأت فرنسا الكثير من المتتبّعين في الداخل والخارج، وهي التي سحبت قواتها من أفغانستان منذ بضعة اسابيع، ببداية عملية عسكرية تشارك بها إلى جانب الحكومة المالية وبعض الدول الإفريقية في محاربة الجماعات الجهادية المسلحة.وقد اختارت فرنسا لهذه العملية العسكرية عنوانا يتمركز في جوهره على كلمة واحدة هي ‘سِرْفال’ التي تترجمها العربيةُ بعبارة ‘القط الوحشي’. نعــــرف أن الحرب تتقـــدم عموما لابسة العديد من الأقنعة ومن بينها قناع التسمــــية أو العنوان الذي يُختار، كما يؤكد ذلك المراقبون والمتخصصون في استراتيجيات العمليات الحربية، بدقة وعناية فائقة. وعليه، ما هي المعاني العسكرية والرسائل السياسية التي ترمي إليها عملية ‘سرفال’ الفرنسية وتسعى إلى تحقيقها ؟ هل من نية وتخطيط في تحقيق تلازم بين خصائص ‘القط المتوحش’ وأهداف عملية ‘سرفال’؟.يحيل الاسم المختار إلى حيوان ينتمي إلى فصيلة السّنَوْرِيات، وبالخصوص النمور بحيث يسميه البعض ‘القط النمر’. وهو حيوان ذو فعالية عالية في عمليات الصيد التي يقوم بها. ويفسر علماء الحيوانات هذه الفعالية بقوائم طويلة (الأطول عند فصيلة السنوريات بالنظر إلى حجم الجسم) تمكّنه من قطع مسافات شاسعة في سرعة مذهلة، وأيضا من التسلق والسباحة إذا اقتضى الحال ذلك. كما تؤهّله هذه القوائم بالإضافة إلى عنقه الطويل إلى أن يكون قادرا على الرؤية من فوق النباتات العالية. لكن فعاليته الكبيرة توجد بالخصوص في أذنيه الطويلتين الواسعتيْن، إذ بإمكانهما أن تسمعا الفريسة وهي تتحرك حتى لو كانت تحت الأرض. ولا يخفى على القارىء معنى هذه المعلومات عن القط المتوحش حين تُعالَج في ضوء الأهمية الكبرى التي تعيرها العمليات العسكرية للجانب الجيوستراتيجي القائم أساسا على معرفة جغرافية المحيط الطبيعي والبشري الذي تدور فيه الحربُ معرفة دقيقة من خلال جمع أخبارٍ مصدرُها عيونُ الأقمار الفضائية وآذانُ الرادارات وأدوات تواصلٍ أخرى تكنولوجية فعالة في عمليات الاستخبارات وتنظيم الغارات الجوية.وإذا كانت الخصائص الفيزيقية والمعنوية التي تميّز القط الوحشي عديدة، فإنه من الممكن تلخيصها في سياق موضوعنا بذكر ثلاثة أشياء رئيسية: أوّلا أنه سِنّوري أفريقي، وثانيا أن قامته متوسطة، وثالثا أنه رشيق وسريع جدا.ويمكن، انطلاقا من الخاصية الأولى، رؤية عملية ‘القط المتوحش’، تبعاً لزعم الحكومة الفرنسية والأحزاب السياسية المساندة للتدخل المسلح في مالي، على أنها إفريقية وليست فرنسية أي أن فرنسا كما يدّعي الرئيس الفرنسي نفسه لا هدف لها من وراء هذه العملية إلا ‘الحرب على الإرهاب’ استجابة لطلب الماليين الحريصين على حماية الاستقرار في بلدهم وإعادة الأمن إلى مدنهم وقراهم. ويزيد من ‘ إفريقية’ هذه العملية وتوضيحها أكثر أن الدول الإفريقية التي لها حدود مع مالي كالنيجر وموريتانيا وغيرها تؤيّد هذه العملية وتساهم فيها بطريقتها الخاصة، ومنها من سترسل في الأسبوع المقبل جنودا للمشاركة في الحرب حرصا منها على ممارسة سيادتها الوطنية بمراقبة حدودها ومنع خرق الجماعات الجهادية المقاتلة لها. إنّ المسألة تتعلق حسب فرنسا باحترام حدود كل بلد، وهي مستعدّة لمساعدة الأفارقة الذين يسكنهم هاجس السيادة الوطنية المتمثل في حمايتها. ألا يقوم ‘القط الوحشي’ الإفريقي بالتبول أكثر من ثلاثين مرّة في الساعة لتأكيد رسم حدود موطنه وفضاءه ومسكنه؟ لهذا نلاحظ أن الأسلوب المستعمل في لغة الصحافة المغطية لخبر حملة ‘القط المتوحش’ يجيء عموما ملخصا لها بهذه الجملة: ‘شنت فرنسا غارات جوية لوقف تقدم محاربي القاعدة دعما للقوات الحكومية المالية’ الشيء الذي يقدم فرنسا وكأنها تلعب دور المساعد ليس إلا، أما القوات المحاربة الرئيسية للجهاديين فهي قوات مالية وإفريقية. فهل من مُصدّق؟.فيما يتعلق بالخاصية الثانية أي الحجم المتوسط، فتفسيرها قد يكمن في كون عملية ‘القط الوحشي’ لن تتطلب عتادا عسكريا كبيرا وحشودا من الجنود يفوق عددُها حجمَ العملية المبرمجة، إذ تكفي بعضُ الطائرات والمروحيات والدبابات وسيارات الجيب والأسلحة المتوسطة للقيام بالمهمة … فالقط الوحشي متوسط الحجم والعملية المستوحاة في تسميتها منه يلزمها التطابق معه في خصائصه المادية والمعنوية. لذا يبدو أن الخصلة الثالثة أي الرشاقة والسرعة هما أيضا من مفسرات سبب عنونة العملية ب ‘القط الوحشي’. يحاول المسؤولون الفرنسيون أن يوحوا للعرب والمسلمين، ومن قبلهم للشعب الفرنسي القلق، بأن التدخل في الشأن المالي والإفريقي لن يطول كما هو حال الحرب في أفغانستان مثلا. ومن أجل تبديد كل المخاوف التي يبديها المعارضون والتي يمكن أن تطال آثارُها شريحة واسعة من المواطنين الفرنسيين والأوربيّين وغيرهم في العالم، تحاول الحكومة الفرنسية الحالــــية أن ترسل رسالة مُطَمْئِنة للجميع تقول بأن عملية ‘سِرْفال’ سوف لن تطـــول، وسوف تستغرق على الأكثر بضعة أسابيع . كما لا يمكنها أن تتحوّل إلى ‘أفغنة’ ما لأنها ستكون قوية وفعالة، وستُنْهي مطاردةَ الفريسة في أسرع وقت ممكن وستكون نِسَبُ النجاح فيها مرتفعة جدا. يمكن إذن تلخيص معاني رسالة حكومة فرانسوا هولاند العسكرية من خلال عملية ‘سرفال’ بالطريقة التالية: كما أن ‘القط الوحشي’ هو حيوان إفريقي ذو حجم متوسط لكنه قوي ومباغث ورشيق وفي غاية الخفة والسرعة، فكذلك عملية ‘سرفال’ التي فاجأت العدو، إذ هي إفريقية وليست فرنسية أو غربية. وبالرغم من أن عدد الجنود وحجم العتاد وكمية الأسلحة التي تحتاج إليها يبدو متوسطا، وهو شيء له علاقة بتجنب كل ما يكلف مبالغ كبيرة ونفقات طائلة في زمن الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، فإنّ العملية تملك من القوة والإرادة والحيوية ما يجعلها تكون قادرة على تحقيق أهدافها العسكرية بسرعة لافتة ونجاح شبه أكيد. وانطلاقا من هذا، فلا شيء – حسب من تصوروا عملية ‘سرفال’ وخططوا لها، ومن أقرّوها وأصدروا أمر تنفيذها – يدعو إلى القلق، فالعملية لن تقود إلى السقوط في فخ، وقياسها على حالات أخرى سابقة كما هي الحرب في أفغانستان التي كلفت المنخرطين فيها من الأرواح والأموال والوقت الشيء الكثير شيءٌ مبالغ فيه.هذه هي بعض عناصر الرسالة التي يُحتمَل أن تكون وراء ما يسعى الفرنسيون إلى تمريره من خلال اختيار تسمية ‘القط الوحشي’ دخولهم ما يُسمّونه ‘الحرب على الإرهاب’. وهي رسالة، إن صحّت، تنطوي إما على تســـرّع أو مجازفة يمكن تفسيرها بخلل في تقييم حاجيات وتطلعات شعوب منطقة الساحل في ظل التحولات السياسية الناتجة عن يقظــة الشعوب العربية وثوراتها، وإما على الثقة المفرطة بدور فرنسا كقوة استعمارية سابقة ما زالت تعتبر نفسها مسؤولة عمّا يحدث في مستعمراتها القديمة وعن نوع القيم وشكل الحكم والسلطة وثقافة من تراهم أهلا لممارسة السلطة. ولو استطاع المسؤولون الفرنسيون ومعهم أمريكا وإنجلترا أن يتخلوا يوما عن رؤيتهم الميكيافلية للسياسة الخارجية القائلة بضرورة الحرب للتــــوصل للسلام، وإرادة التدخل في شؤون البلدان العربيــــة والإسلامية، وتسييرها وفق أهدافها وأجندتها ومصالحها، لما كانت الشعوب العربية والإسلامية تعيش اليوم في حالة من التخبط والفوضى والتمزق، والانحلال والتقهقر، والدمار والقتل .. مرشحة للاستمرار ومنذرة بالأسوأ.’ كاتب عربي مقيم في فرنساqmdqpt