محمود قرنيقبل حوالى تسعة أشهر بدأت مجلة ‘فصول’ مرحلة جديدة في تاريخها بتولي الناقد والأكاديمي محمد بدوي رئاسة تحريرها، وذلك في أعقاب تولي الدكتور أحمد مجاهد رئاسة الهيئة المصرية العامة للكتاب التي تصدر تلك المطبوعة المحكمة بصفتها الفصلية المدققة ذات الطابع الأكاديمي. بدوي ومجاهد ينتميان لجيل السبعينات، الذي يتقدم بجرأة متأخرة الى مناصب الدولة الكبرى. وهما بطبيعة الحال يريان ثمة ضرورة لكسر سلطة الأب الستيني وكذلك الريادة الخمسينية التي دشنت حضورها ضمن بناء يوليو ذي الطابع القوموي الشمولي الذي أسس لثقافة حاولت أن تجذر وجودها في الذائقة الشعبية عبر منابر ذات طابع وطني، غير أن مآل الأمور لم يكن تعبيرا دقيقا عن مقدماتها. ليس هذا فقط مايحيط بدوي ومجاهد، بل إن كليهما يتولى المسؤولية في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير التي دفعت الى المزيد من الرغبة في تجديد الأفكار والمواقع والرؤى، والمزيد من التطهير أيضا. لذلك لم يكن غريبا أن يأتي العدد الأول الذي تصدره ”فصول” في ظل رئاسة بدوي مكرسا لعنوان الساعة: ‘الثورة المصرية 2011 .. دراسات وشهادات’، بالإضافة لملف عن مئوية نجيب محفوظ. كان ملف الثورة التعبير الأول أو الأمثل لمجلة متخصصة تصدر عددها الأول بعد فوات أكثر من عام ونصف العام على الثورة، غير أن رغبة رئيس التحرير الجديد في إخراج المجلة من وهدتها الأكاديمية، إذا صح التعبير، كان جارفا، لدرجة بدت ملامحها الأولية بسفور لا تخفى ملامحه، حيث اكتظ العدد بدراسات لغير المتخصصين في الشؤون التي يكتبون فيها، هواة وثوارا أو منتسبين للثورة، أصوات عالية لا تناسب منبرا للتفكير الذي ينتهج الأكاديمية سمتا له، غير أن أسبابا كثيرة تدفع لقبول الأمر، بينها أن ثمة ضرورة لتخليص المجلة من كونها منبرا لبحوث تعليمية تستهدف الترقيات الجامعية، ما جعلها كلا مصمتا لا يعني أكثر من كونها سجلا وظيفيا بائسا انبتت صلته بواقعه النقدي والمعرفي والمجتمعي، كذلك كان ثمة ضرورة للتخلص من ركام المحيطين والمستفيدين من هذه الوضعية التي دامت على مدار عشرين عاما على الأقل. بعد ذلك جاء العدد الثاني من المجلة، الصادر خلال هذا الشهر، حاملا سؤالا كبيرا هو: هل للثقافة مستقبل في مصر؟ وهوسؤال يتجدد من تلقاء نفسه عند كل أزمة كبيرة تواجه الثقافة المصرية، ليحيلنا على الفور لسؤال الدكتور طه حسين في بحثه الأشهر ‘مستقبل الثقافة في مصر’ الذي كتبه عام 1928 ليقدمه لوزارة التربية والتعليم كلبنة في طريق بناء نظام تعليمي مدني حديث لا زال مطمحا وطنيا حتى هذه اللحظة. وتظل حيوية السؤال ردة فعل طبيعية على كل ما يبدد معنى الخصوصية الثقافية في إطار ما تحدث عنه الدكتور طه حسين من علاقة مصر بمحيطها الإقليمي ودائرة معرفتها بنفسها، التي لا تكتمل في نظره، بعيدا عن هذا التلاقح الحتمي بينها وبين الثقافات الفاعلة وعلى رأسها المركز الأوروبي. وبقاء السؤال حيا حتى اللحظة يعني أن ”فصول” تدرك مأزق الثقافة الوطنية من زاوية النظر ذاتها، وإن اختلفت معطيات الواقع، وهو ما بدا في مادة العدد التي جاءت تلبية طبعية لهذه المعطيات، يبدو ذلك في موضوعات العدد وتنوع كتابه وتعدد زوايا النظر فيها، ربما لذلك تضمن العدد كما هائلا من الدراسات والمقالات التي ناقشت محاوره الأساسية: الحرية والاستبداد، مختارات الديموقراطية، والصمت والأدب. كما تضمن العدد دراسات بدأت برئيس تحريرها الذي قدم ورقة تحت عنوان ‘الحرية والمعرفة تحت الهجوم ..هل للثقافة مستقبل في مصر؟ وهي دراسة لاتمثل التعبير الدقيق عن عقلية بدوي اللامعة، حيث استنام في دراسته لأحاديث شبه عمومية عن الثورة وتطور بنية المجتمع المصري وصراع الحريات بين طبقاته الحاكمة منذ تأسيس دولة محمد علي، لكن يظل موضوع الدراسة دالا على ازمة واقعه وأعلى التعبيرات فجاجة.أما ملف الحرية والاستبداد فتضمن دراسات لكل من الدكتور حسن حنفي الذي كتب تحت عنوان ‘..في جذور الاستبداد وتجلياته’ وكذلك ما قدمه المحلل والكاتب السياسي نبيل عبد الفتاح، حيث قدم دراسة من أهم دراسات العدد تحت عنوان ‘التدين والاعتقاد والشعائر في الحالة الانتقالية’، حيث كانت بين الدراسات القليلة في العدد التي قامت على البحث الميداني والتوثيقي والإحصائي باعتبارها عمد علم الاجتماع السياسي الذي يعتبر عبد الفتاح أحد أعمدته، وكتبت بسمة عبد العزيز تحت عنوان ‘الحرية المتسللة’، وكتب الدكتور شريف حتاتة تحت عنوان ‘تأملات سجين سابق’ وكتب الباحث أحمد عبد اللطيف تحت عنوان ‘هولوكست الكتب .. الحرق كوسيلة للدفاع عن بقاء الطغاة’، كما كتب عصام زكريا تحت عنوان ‘ربيع قتل الأب، أو كيف يتحدى الجيل الجديد مفهوم الطاغية .بالإضافة لعدد كبيرمن الدراسات النقدية اللافتة وإن افتقرت في معظمها الى عنصر التخصص، ووقعت في شرك التثقيف المجتمعي العام، وهو دور تحتاجه الأوضاع الراهنة بشكل يبدو ملحا، حيث تبدو معركة الحريات على رأس أولويات المرحلة في ظل صعود التيار الديني لسدة الحكم بعد أن باتت الحريات العامة على المحك فضلا عن التهديد الذي يطال الحريات النوعية والأكثر خطرا مثل حرية الرأي والتعبير والإبداع، وهو في الإجمال ما يمنح محور المجلة مشروعية إضافية. في مقابل ذلك لابد لمحمد بدوي أن ينظر بعين فاحصة لتاريخ المجلة التي يرأسها، لاسيما أنه كان عضوا في هيئة تحريرها إبان رئاسة الدكتور جابر عصفور لرئاستها على مدار سنوات طويلة، من هنا أظنه يدرك الدور الذي على المجلة أن تلعبه دون أن تفتئت على أدوار تقوم بها دوريات مثيلة ربما تصدرها الهيئة نفسها التي تصدر ‘فصول’، ولعل مجلة إبداع التي لازال يترأسها الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي منافس جدير بالاحترام في هذا السياق مهما اختلفنا مع رئيسها أو مع سياساتها التحريرية. والأمر يعني أن ‘فصول’ يجب أن تعود في النهاية الى كونها مجلة مختصة بالنقد الأدبي بكل فروعة التي باتت، في ظل شيوع مناهج النقد الثقافي، متعددة ومتنوعة وقادرة على الاستفادة من كافة الحقول المعرفية، وأظن أن بدوي لا ينسى أن ‘فصول’، تلك الدورية المهيبة، أصدرت في سابق أيامها عشرات الأعداد التي قدمت ملفات شديدة الأهمية والخطورة والحيوية، فطالما كرست أكثر من عدد لموضوعات كانت مستغلقة وتحتاج الى الكثير من الجرأة مثل: النقد الثقافي، تجليات الدين في الإبداع، الحداثة بكل فروعها، الأيديولوجيا وعلاقتها بالإبداع، مرجعيات النقد الأدبي وقواعده، الحرية والإبداع، الشعر العربي القديم، الشعر العربي الحديث، والرواية، وكذلك الاحتفاء برموز الفكر والثقافة على المستويين المحلي والعالمي، حيث كرست عبر تاريخها أعدادا خاصة لأسماء مؤثرة مثل إدوارد سعيد، نجيب محفوظ، أدونيس وغيرهم. من هنا لايجب على هيئة التحرير الجديدة أن تنظر باذراء يفيض عن الحاجة الى تاريخ تلك الدورية، غير أن ذلك لايجب أن يظل قيدا على تجديد رؤاها وتوجهاتها، وهو مايجب أن يدفع بدوي ورفاقه في هيئة التحرير الى البحث الجاد في هذا الاتجاه. فالمسار صعب على مستويات عدة أولها المستوي الموضوعي الذي يجب أن يدفع المجلة الى تبني التيارات الطليعية والأحدث في النقد العربي والعالمي، وهي اتجاهات، كما يعلم بدوي ما زالت مطرودة من رحاب الأكاديمية المصرية المتمسكة بمحافظتها وتقليديتها وتقديسها للقديم دون وعي بحاجتنا الى التحديث الفكري والعقلي .. وهذا في حد ذاته سيكون إضافة نوعية لتوجهات المجلة. أما ثاني هذه المستويات من التفكير فيجب أن يتجه الى إتاحة الفرصة لباحثين جادين من داخل الجامعة وخارجها، وكذلك إتاحة الفرصة نفسها للأجيال الجديدة للصعود وتبوء مكانتها في صدارة المشهد، وأظن أن بدوي مطالب، أكثر من أي وقت مضي، بإثبات أنه أكثر موضوعية، مايعني ضرورة تجاوز فكرة ‘الشلة’ و’الجيتو’ وللحقيقة لم يكن بدوي إلا هذا الشخص طيلة عمره النقدي وهو ما أثر بالسلب على منجزه. فالعمل العام يجب أن يظل أكبر من شخصنة بدوي للأمر، وعليه إدراك أنه يخدم ثقافة أمة ووطن أكبر هما، بالتأكيد، أكبر من أصدقاء السهر والحواديت والمصالح. أقول ذلك لأنني أدرك أن محمد بدوي قادر، إذا ما أخلص النوايا، على تقديم عمل مؤثر ومهم، لاسيما وأنه ابن الفكرة الطليعية المتقدمة منذ خطواته الأولى، ولم يحدث أن كان نصيرا للسائد والمستقر.من هنا لا أرى ثمة ضرورة لما ينجر إليه محمد بدوي. حيث ثمة إصرار على الاعتقاد بأن تطوير المجلة لابد أن يتأتى على نفقة الدور العلمي والمنهجي لها، وهو ما بدا في الكثافة التي حملها العدد لأسماء تكتب في غير تخصصها. فالقوام الأساسي للمجلة يجب أن يقوم على كونها احترافية من الناحية المهنية والموضوعية، في الوقت نفسه يجب أن ينصرف جهد هيئة التحرير للعمل على نهوض النقد بدوره الاجتماعي بالمعنى الذي أسس له روادنا الكبار بداية من طه حسين مرورا بلويس عوض ومحمد مندور وشكري عياد وغالي شكري ومصطفى ناصف وغيرهم، بعد تقلص دوره بفعل البحث المحموم وراء فكرة علمية النقد والارتماء في أحضان المدارس الشكلانية التي أفسدت الإبداع والنقد معا.qadqpt