عن الفن الادبي الأكثر جذورية في الاستجابة لمتطلبات التحديث

حجم الخط
0

‘الرواية والاستنارة’ لجابر عصفور:نجاة عليلا يزال الناقد المصري جابر عصفور قادرا بكتاباته على إثارة الدهشة والأسئلة. ومن يعرف هذا الرجل جيدا يدرك أن حياته كانت سلسلة متصلة من المعارك الثقافية والفكرية.وأحسب أن جابر عصفور وهو ‘المثقف التنويري’ بامتياز أحد أبرز المدافعين عن مدنية الدولة، والمنشغلين بقضايا الاستنارة ومشكلاتها. وهو ربما ما جعله لسنوات طويلة هدفا للهجوم من قبل هذه التيارات الظلامية والرجعية في مصر، أما المعارك الأخرى فأغلبها كانت نقدية و لعلها أبرزها هو ما تعرض له من هجوم كبير- خاصة من الشعراء المصريين- عندما أصدر كتابه الشهير’زمن الرواية’ عام (1999).ذهب جابر عصفور في هذا الكتاب إلى أننا نعيش زمن الرواية، وأن هناك أكثر من علامة تؤكد هذا الأمر، منها مثلا الإنجازات المتميزة بثرائها الكمي، قطريا وقوميا وعالميا، على نحو ارتفعت معه معدلات الإبداع الروائي على مستوى القراء، فغدت الرواية النوع الجاذب لمزيد من القراء في مختلف الطبقات والقطاعات والمجالات بالقدر الذي انتزعت به الرواية آيات التقدير والاهتمام سواء على مستوى المحافل الرسمية للتقدير العالمي (كما تشير إحصائيات جائزة نوبل) أو عن المؤسسات النقدية للتقييم الروائي (حيث تتزايد معدلات الرواية عاما بعد عام وتتكاثر مصطلحاتها تكاثرا لافتا في وفرته وثرائه وتعقده، يضاف إلى ذلك قدرة الرواية على التقاط الأنغام المتباعدة، المتنافرة، المركبة، متغايرة الخواص، لإيقاع عصرنا وذلك الطبيعة البوليفونية التي ينطوي عليها النسيج الروائي الذي يؤلف بين العناصر المختلفة والخاصية الحوارية التي تجمع بين الأضداد وتصل بينها وصل الجدل في نسيج معقد.وفي كتابه الجديد ‘الرواية والاستنارة’ الصادر عن مجلة ‘دبي’ الثقافية،،يستكمل عصفور إبحاراته النقدية حول فن الرواية حيث يتجول في القرن التاسع عشر ما بين التراث الفكري للكبار من زعماء الإصلاح وبين التراث الإبداعي لهذا القرن.حيث يرى أن أحد أسباب إغفال النقاد لهذه العلاقة والاهتمام باكتشافها يرجع إلى إعطاء كثير من المنشغلين بالنقد الأولوية لفن الشعر وحده، ذلك الفن الذي يحتل المكانة الأولى في أذهاننا و،دون الاهتمام بالفنون الموازية.ولعل الإلحاح على مصطلح عصر ‘الإحياء أو البعث’ قد رسخ أو ساهم على الأقل في أن تكون هناك أولوية للشعر في أذهاننا، وجعلنا نلتفت إلى أن هذا القرن، أحيا التراث الشعري أو بعثه، سواء بتقليده أو بالإضافة إلى أسلوبه. هذا على الرغم من أن هذا العصر كان يؤسس لفنين جديدين.ولعل تركيز عصفور على منتصف القرن التاسع عشر قد يعود لسببين مهمين: أولهما لأنه العقد الذي أخذ يشهد صعود الطبقة الوسطى بعد أن بدأ تكونها في زمن محمد علي في مصر(1805- 1849).ويرتبط السبب الثاني بأن خمسينات القرن التاسع عشر في تتابعها الواصل بين القاهرة وحلب ودمشق وبيروت، تزايد فيها صدور الصحف والمجلات التي خصصت صفحاتها للقص المترجم والمؤلف. وهو أمر كان يجد إقبالا عليه من رجال ونساء الطبقة الوسطى الصاعدة، وذلك على نحو كان لابد أن يستجيب معه المؤلفون والمترجمون للاحتياجات القرائية لهذه الطبقة، ذات الوعي المديني التي أسهمت في إنتاج واستهلاك فن الرواية فنها الأثير،بوصفه فنا يواجه تحديات تأسيس دولة مدنية لا دينية، أولوياتها الفكرية هي وضع العقل النقدي موضع الأولوية وتسييده على العقل الاتباعي والتفكير الخرافي، وما يقترن بذلك من تأكيد مبدأ التسامح الملازم للدولة المدنية الداعية إلى إلغاء أشكال التمييز كافة، فضلا عن مواجهة مشكلة الهوية التي كان لابد أن تبرز مقاومة لحضور الآخر (الأجنبي المتفوق) في سياق يؤدي إلى ولع المغلوب بتقليد الغالب، سواء في النافع أو الضار. فن الرواية وحركة الاستنارة العربيةمما لا شك فيه أن التسارع في حركة الاستنارة العربية، بما انطوت عليه أو تجسدت فيه من وعي مدني محدث، هو الذي أدى إلى تأسيس فن الرواية، بوصفه فن المدينة المحدثة التي يبحث عقلها النوعي عن معادلة الإبداعي وأدواته الفنية المائزة التي يعبر بها عن هواجس التحول وهموم التغيير وأحلام التقدم .وتلك هي البداية التي تأصل بها مبدأ الحرية الحرية اللازمة للوعي المديني في حركة اجتهاده متعددة الأبعاد والمجالات، ومنها المجال الإبداعي الذي يتصدره فن الرواية، بوصفه الفن الذي يبدأ من انفتاح الأفق لحرية العقل في الاجتهاد، ويجسد علاقات التنوع والمغايرة والاختلاف بقدر ما يتجسد بها، خصوصا من نواتج طبيعية لاجتهاد العقل النوعي الذي ينطوي عليه الوعي المديني المحدث، ومن حيث هي شروط محايثة في فن الرواية نفسه.أو في عبارة أخرى يرى جابر عصفور أنه لم يكن غير فن الرواية فنا يستطيع بمرونة شكله تجسيد تحولات العلاقة بين الطوائف والأجناس والأعراق البشرية، فضلا عن تحولات الأنواع والوظائف الأدبية والفنية في فضاء المدينة الاحيائية المتحولة بدورها، وجعل هذا التحول موضوعا من الموضوعات الأثيرة التي لا يخلو منها تصوير الأحداث السياسية أو النقدات الاجتماعية.كما التقطت الرواية الإحيائية أو رواية ‘النهضة’، بداية أشكال جديدة من العلاقة بين الشرقي والغربي، العربي والأجنبي، المسلم والمسيحي، أبناء الطبقة الواحدة وصلتهم ببقية الطوائف، عكست الرواية هذه الأشكال على بنيتها التي تشكلت بما يحقق هذا الهدف أو ذاك من إنشائها. مما لا شك فيه أن كل الدلائل تشير إلى أن هناك تلازما وثيقا بين فن الرواية وفكر الاستنارة في القرن التاسع بصعود فكر الاستنارة في مصر، ذلك الفكر الذي يبدأ مما تركه لنا رفاعة الطهطاوي بعد عودته من رحلة باريس وجمال الدين الأفغاني أثناء إقامته في مصر،ومحمد عبده تلميذ الأفغاني.وكان هؤلاء مشايخ الاستنارة الذين توافقت أفكارهم وأفكار أفندية الاستنارة، خصوصا من الشوام الذين بدأوا من حلب التي ولد فيها فرنسيس المراش.الرواية والوعي المدينيو لعلنا نجد وجاهة في رأي الناقد جابرعصفور الذي يسوقه لنا من أن الرؤية الصاعدة في مطلع النهضة العربية قد انطوت على نزعة عقلانية أساسية، هي نوع من الوعي المديني ويستجيب لمعاني العقد الاجتماعي الذي تتأسس به الدولة المدنية . وما يقصده عصفور بالوعي المديني في هذا السياق هو فكر المدينة المتحولة بواسطة عمليات التحديث التي تفضي إلى تغيير علاقات الثقافة وأدوات إنتاج المعرفة في المجتمع، الأمر الذي يؤدي إلى تخلق رؤية مدنية واعدة لعالم صاعد ترمز إليه المدينة المتحولة وتجسد ملامحه. ويلزم عن ذلك تصور المدينة بوصفها وعاء سياسيا واجتماعيا وثقافيا وإبداعيا لتعدد الأجناس والأعراق والطبقات والمعتقدات والثقاقات وأنواع الإبداع المختلفة.وتصبح تمثيلاتها في أذهان ساكنيها تأكيدا لدورها في صياغة الأذهان وصياغة وعيها. ولذلك يصل الوعي المديني بين نواتج التغير في التركيب السكاني والتخطيط العمراني والتشكيل المعماري، كما يصل بينها وبين غيرها من مظاهر التغيير الإيكولوجي المرتبط بعمليات تحديث المدينة، تلك العمليات التي سرعان ما يتولد منها نزوع حداثي يغدو سمة للوعي المديني وعلامة عليه. هذا الوعي المديني يرادف حركة الاستنارة ويجسد حضورها في مطلع النهضة العربية التي تسارع إيقاعها منذ أواخر القرن الثامن عشر، خصوصا من حيث ما انبنت عليه مبادئ الاستنارة العربية من تسليم بأولوية العقل المقترنة بقدرته الذاتية على تحصيل المعرفة وتطويرها، وما اقترنت به من المطالبة بالحرية والمساواة والعمل على تحقيق التقدم، فضلا عما تأسست به من معنى مدني للمواطنة التي تجاوز الدوائر المغلقة للتحيزات الاعتقادية والعرقية والجنسية، وهو المعنى الذي لم يفارق التسامح في دلالاته الدينية والاجتماعية والسياسية والفكرية التي فرضها مبنى الدولة المدنية في حضوره الاستهلالي، ذلك الحضور الذي بدأ بتأسيس ‘المجلس العالي’ في عهد محمد علي باشا، وفي السنة نفسها التي أصدرت فيها مطبعة بولاق كتاب رفاعة الطهطاوي ‘تخليص الإبريز في تلخيص باريز’ سنة 1834، أي قبل أربع سنوات فحسب من إصدار ‘سياستنامة’ التي حاول فيها محمد علي مجاراة أنظمة الدولة المدنية الحديثة في أوروبا.إن علاقة الجدلية بين الرواية والمدينة، من حيث هي فن المدينة المنصب على تحولات المكان، وصوت الفرد الباحث عن المعنى في تغير علاقات المجتمع قد يكون سببا آخر من الأسباب الرئيسية التي جعلت من الرواية طليعة إبداع عصر النهضة في أداء معاني الاستنارة، خصوصا من منظور الصلة التكوينية بين هذه المعاني وتحديث المدينة التي وجدت في الرواية ما يصوغ تعارضات تياراتها إزاء التحديث .ومن هذا المنظور، أصبحت الرواية الفن الأدبي الأكثر جذرية في ‘الاستجابة’ لمتغيرات التحديث في تلازمها أو تجاورها أو تباينها أو تعارضها أو تصادمها. وذلك أمر لا يستطيعه الشعر ديوان العرب القديم الذي فرضت عليه تقاليده الطويلة من ناحية وحدود نوعه من ناحية ثانية مدى محدودا من الحركة، بالقياس إلى الرواية التي بدت واعدة بما في جدتها الحوارية وطزاجة حضورها المتحرر من قيود التقليد الممتدة عبر الزمن التي ظلت تحد من مدى انطلاق الشعر.وغير بعيد عن ذلك ما تسمح به مرونة الرواية من إمكانات لا محدودة لا تحضرها في شكل جامد أو قالب ثابت، وهي الصفة النوعية التي تفتح الرواية، في علاقات شكلها المطواع المراوغ، على إمكانات الإفادة من الملاحم البطولية والسير والحكايات الشعبية المتوارثة، أو المقامات والمجالس والمسايرات والنوادر المتوروثة، فضلا عن ألوان القص التعليمي أو التمثيلات السردية التي لا تخلو من معنى التورية أو التقية.*شاعرة وباحثة من مصرqadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية