دموع لا يراها القارئ

حجم الخط
0

عزت القمحاوي الحيرة محلها الأدب، واليقين محله الصحافة. كاتب الأدب يتشارك حيرته مع الآخرين بكل ارتياح، وعلى العكس من ذلك يجب على الكاتب الصحافي أن يجترح حلولاً. وعندما يكون الواقع عصيًا على الفهم يخفي كتاب الأعمدة عجزهم عن عيون قراء الصحيفة، وأنا أفعل هذا حقيقة، إلا مع قراء ‘القدس العربي’ ركنًا طوال حياتي المهنية، التي تجاوزت الثلاثين عامًا، قدر حبي لهذه الزاوية التي أعتبرها قعدة أسبوعية مع أصدقاء. هنا، لا أخجل من دموعي التي لم يرها القارئ في صحيفة أو مجلة أخرى. كنت، في أخريات سنوات مبارك، أسمح لنفسي بحرية الشكوى من متاعب الكتابة التي استحالت جلدًا للكاتب حين يكتب، لأنه يرى موج الفساد أعلى من أن يكون مفهومًا وأغبى من أن تصده كتابة، وأحط من أن يترك لي لحظة لعب، هي واجبة لصالح الكتابة ولصالح روح الكاتب، ولصالح متعة القارئ الذي لديه الأحزان ذاتها وأكثر، ولا ينتظر مندبة مشهرة. فوق كل هذا هناك دائمًا ألم الشك؛ شك الكاتب في نفسه أن يكون جزءًا من عملية خداع، حتى من دون أن يدري؛ عندما يشير الديكتاتور إليه ويقول: انظروا، ألست ديمقراطيًا ورحيمًا لأن هذا المخلوق المتحامق لم يزل يحيا ويكتب؟!كانت القطارات تتصادم والأرواح تزهق بتواتر مثير للريبة بقدر ما كان مثيرًا للألم لذلك الموت الذي بلا مجد ولا قضية، وكنت أرى بشائر الثورة التي إن لم تصلح الحياة، فعلى الأقل تصلح الموت، توقف النزيف المجاني للدم وتجعل له معنى عندما يراق.ولم أكن أعرف أننا سنقوم بثورة يتسلقها شبيه وصنو نظام مبارك وإن بجلد أكثر سماكة وفشل أكثر إثارة للألم، وصفاقة في الخطاب لا تحترم عقول الآخرين، وهذا سبب جديد للألم، لم نعهده أيام مبارك وعصابة ابنه.’ ‘ ‘كان كثير من المنتسبين لنظام مبارك في سنواته العشر الأخيرة يسايرون المعارضة في حديثها عن الفساد والفشل. ولم تزل مقولة رئيس ديوان رئاسة الجمهورية زكريا عزمي في البرلمان: ‘الفساد في المحليات بقى للرُكب’ أي أن البلاد تغرق في بركة من الفساد. كذلك كان كل عناصر النظام يفعلون. إذا ظهر أحدهم في حفل زفاف أو ما شابه، وانفتحت السيرة يسبق الآخرين في توجيه الانتقادات حتى ليبدو معارضًا مندسًا بين الفاسدين، وكان هذا مدهشًا إلى حد يثير التساؤل حول صحة هؤلاء النفسية. ولكنهم كانوا فيما يبدو أكثر سلامة ممن ورثوهم، كان اعتراف عنصر النظام بوجود فساد يضمن له تحقيق هدف ذاتي وآخر للنظام. أكثر من البحث عن البراءة، كان الشخص يحاول أن يقول إنه وإن كان شريكًا في نظام فاسد فإنه لن يهين ذكاء الأخرين بمحاولة إقناعهم بغير ما يرون، كما إنه بهذا الاعتراف يسدي جميلاً للنظام الذي ينتمي إليه ببث الأمل في إمكانية الإصلاح؛ فالمعرفة توحي بأنها أولى درجات الإصلاح. بالطبع ثبت أن هذا غير صحيح، ولكن على الأقل كان المصريون يواجهون نظامًا دمويًا فاشلاً قليل الحياء بينما يتمتع أركانه ببعض حمرة الخجل في وجوههم، بعكس ما يجري هذه الأيام، إذ لا يعرف الخجل طريقًا إلى وجه النظام أو وجوه ممثليه.الفشل يتضاعف سريعًا بوصول البلاد إلى حافة الإفلاس، والموت يتضاعف وتتزايد وتيرته في القطارات الخربة والبنايات المغشوشة، لكن لا أحد من المنتسبين للجماعة يقر بهذا الفشل أو يعترف ـ من باب احترام ذكاء الآخرين ـ بأن هناك مشكلة. لا يظهر أحدهم في مكان إلا ويهلك الحاضرين جدلاً بجملتين أو ثلاث جمل لا أكثر تتكرر في أحاديث كل المنتسبين للجماعة من درجة المحب إلى درجة المرشد. ولا تخرج هذه المقولات على ثلاث: الفشل صنعه مبارك، المعارضة تثير المشكلات ولا تدع فرصة للعمل. عليكم احترام نتيجة الصندوق!ولن يتمكن أفلاطون خالق فن المحاورة من إقناع عضو الجماعة بأن الشعب ثار لكي يحظى بتغيير. ولن يسطيع أن يقنعهم بأن صوت المعارضة العالي لم يمنع مندوبهم في قصر الرئاسة من إهانة القانون واتخاذ ما يحلو له من قرارات في السياسة بينما تتيبس يمينه فيما يخص الاقتصاد، ولن تجدي أية محاولة إقناع بالبديهي في الديمقراطية، حيث إن الصندوق ليس وثنًا، وأن شرعيته يكملها القسم على حماية الدستور، وتحلل الرئيس من قسمه يحل الناخب من موافقته التي أودعها الصندوق. ‘ ‘ ‘قام المصريون بثورة ليبقى البؤس، ويفوزوا بهدية إهانة ذكائهم. والأسوأ من كل سوء هو اختطاف الدولة. كانت عصابة مبارك الابن تعمل من داخل النظام بعد حقنه بالمنوم، ولكنها لم تنكر القانون والنظام بالمطلق كما يفعل الإخوان الآن. وإن استخدمت عصابة الابن سلاح الوحدة الوطنية المحرم مصريًا سرًا، فالجماعة لا تترك يومًا يمر دون التحريض العلني على الأقباط.وهذا الفرق بين المدرستين يبدو واضحًا في باب القتل العمد الذي كان القشة التي قسمت ظهر مبارك وسيكون قشة مرسي. شرطة النظام قتلت الشاب خالد سعيد في عام مبارك الأخير، وتم الكذب على القانون بادعاء أن سبب الوفاة جرعة مخدرات زائدة، وأتعب الجناة أنفسهم بتأليف رواية تضــــمنت دس لفافة بانجو في حلق الشهيد. وفي عام مرسي الأول والأخـــير قتلت الميليشيا الخاصة الشباب المعتصمين أمام قصر الرئاسة. وفي برنامج تليفزيوني عالي المشاهدة اعتبر عضو بجماعة الإخوان أن قتل المتظاهرين جاء ردًا على الشعارات العنيفة المكتوبة على أسوار القصر، بينما قال الرجل الذي يشغل مقعد الرئيس إن سائقه أصيب وسيارته تعرضت للخدش! هل هذا الجرم يساوي هذا العقاب؟!حكم الميليشيا المسلحة لا يعترف بالقانون لكي يكلف نفسه عناء تأليف القصص والالتفاف على القانون. وعندما يعلن المرشد بوضوح أن عناصره مستعدة للموت (يسمونها شهادة) يوم 25 يناير دفاعًا عن الشرعية، فإنه يضع الفيلسوف لا الكاتب الصحافي في حيرة: أية شرعية هذه المحروسة بميليشيا لا شرعية؟! هذا الجنون المنطلق كقطار فقد الكوابح لا يملك المرء في مواجهته إلا تذكر مبارك، مجرد ذكرى بلا حنين.’ ‘ ‘ليس من الفطنة تمني الروث قرفًا من الغائط، بل على المرء أن يحلم بوردة تنبت رغم غباوة الصخر.qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية