حكاية الفصول الاربعة من القطب الشمالي الى بيروت

حجم الخط
0

صيف مقتطع من شتاء طويلفاروق يوسفتركتُ فيفالدي يلهو بالثلج. هناك قطتان، تأكل الواحدة الأخرى وهما تنظران إليه. أراقبهما ببلاهة فوضوي عتيق. لقد تغير العالم إذن. سأصف البياض باعتباره اللون العزيز. صبغة الالهة التي تنسل مثل خيوط حرير الى ثياب الملائكة. هناك أبيض فائض عن الحاجة دائما. في الفصول الاربعة هناك جملة لا تقع. لا يزال فيفالدي يمسك بيدي. شبحه يصفر في اذني. الدون جوان المتبرج يراقب تأثيرغنجه علي. تحلق تلك الجملة الموسيقية بورقة الخريف وتتسلق سلم الضوء الصيفي وبين عتبتي بيتين تزخرف الربيع بضحكتها وحين يقبل الشتاء تنام على الثلج عارية. جملة فيفالدي يمكنها ان تكون مخلصا. وفية لميزانها وعميقة في ضجرها. صرت ادوزن خطواتي وفق ايقاعها. التفت إلى شبحها اذي كان يتبعني بخجل. ‘لقد تركتك هناك’ تقول لي وهي تشير الى مكان كنا التقينا فيه. ‘ها نحن نلتقي مرة أخرى هنا’ أقول لها وأنا أقصد الزمان الذي صار يجمعنا بين حين وآخر مثل مفردتين تُكتبان بالحروف نفسها، لكن كل واحدة منهما تقع على قوس مختلف. حرب و بحر. الحرب تقع في البحر اما البحر فلا يقع في الحرب. يقع قريبا منها. هناك اسماك كبيرة تأكل اسماكا أصغر منها. ‘هكذا نهوي الى القاع’ قالت. قلت ‘لا بأس. في الطريق الى القاع سوف نعثر على الشقوق الصخرية، كل شق منها سيقودنا إلى بلاد مختلفة. بلاد هي أشبه بالمرآة السحرية، تظهر ما حولها غير أنها تكشف بصدق عن أحوالها. توقعي غيابي’ لا يزال فيفالدي يتبعني. جملته تتثائب. ‘هل تخيلتني عدوا؟’ ضحكتُ. كان مظهره يدعو إلى الريبة. أمشي بك شتاءا لنصل معا الى صيف يتشبه بقبعتك. صديقي ستكون منسيا بعد فصلين. لا تقف في طريقي لئلا اتفادى المرور بك من غير أن التفت اليك.كان الثلج يتسلى بعد أصابع قدمي الغزال. ما من شيء في الرملة البيضاء يذكر بالارخبيل الاسكندنافي. حتى في الظل يمر الشبح بشقيقه فلا يراه. يستثنيه من كآبة عصاه. كنت قد التقيت على المرتفع المؤدي الى الروشة صبيين ضائعين، فشعرت بالحيرة. أن يمشي ثلاثة ضائعون في زقاق ضيق في الوقت الذي تتأخر فيه الديكة عن صيحاتها حدث يذكر بزمن المعجزات. لقد أصبني السأم فجأة ففقدت اهتمامي بالصبيين. افسحت لهما الطريق وصرت أطلق صفيرا مثلما يفعل قديس مفلس. حين ابتعدا، التفت إلي أحدُهما وصرخ ‘فيفالدي. لقد عرفتك’ وركضا. كان الصيف أخضر. لم تكن الشجرة قد أخرجت بعد راسها من صدري، فيما كان قلبي ينفلق مثل رمانة. حباته الحمراء تتساقط ببطء، كل حبة هي حياة كاملة. جملة من فيفالدي جعلتني أشبه الرجل الذي اخترعها. كان الصبي قد حمل سلة عنب وصار يدور بها بين القرى مثل ثعلب حزين. الحقول واسعة وقدماي صغيرتان. ‘أبهذة الخطوة الضيقة ستصل إلى السماء؟’ سألني بواب العمارة.ساروي الحكاية بطريقة مختلفة. قلت للخباز ‘لقد جئت من أجل أن أشم رائحة خبز خالية من أثر التوابل’ لم يصدقني. اقتطع بائع الجبن جزءا صغيرا من مكعب الجبن الحلو وقدمه إلي. قلت له ‘سكينك كبيرة’ ابتسم وقال ‘هذه ليس سكين. إنه ساطور’ وصار يلوح بساطوره في الهواء كما لو انه خرج لتوه من حفلة قتل. قال بائع الفواكه السوري ‘جاري انت وجار النعناع الذي يحبك مثلما احبك’ قلت له ‘ديك الجن كان حمصيا وانت حلبي. هل أنتما قريبان؟’ قال ‘نتساوى حين يتعلق الأمر بالكبة النية’.لقد انشطرتُ نصفين. شبح نصفي يتبع شبح نصفها. وها نحن نرتقي طلعة الجبل. من هناك ننظر إلى البحر. ستأتي المراكب من البندقية. أزيل الغبار عن صخرة صفراء. ‘أجلسي بلقيس’ المدينة تبكي من ورائنا. مطر بيروت يهذي. الصخرة هناك وشطرانا يتعانقان. ‘هل رأيت الصخرة؟’ ‘يجعلني مشهدها متفائلا بالشمس’ ‘الم تشبع من الشمس؟’ صرت أضحك ‘الشمس أحلى في بلادي. كان كلاما وصدقناه حتى استقرت الشمس بين عظامنا مثل اعلان عن صيف ابدي’ ‘ولكنك تعود إلى الشرق من أجل الشمس’ ‘هذه كذبة أخرى صدقها الجميع’. ساصف الثلج من أجل شمس مؤجلة. الطريق إلى الجنة تغص بالافاعي. بيروت تقع على المنحدر. أوقفني بائع أوراق اليانصيب. رأيت شبح شطرها يبتعد. من بعيد رايته يقف على يديه وهو يغمز لي. قال بائع اليانصيب ‘الورقة بمليون. حظك حلو’ صرت أفكر بحظوظ التماسيح التي رايتها ذات مرة تستلقي تحت الشمس على شاطيء إحدى البحيرات في أفريقيا. ‘لقد نجوت’ قلت للصبي الصغير فصار يتلفت. كانت هناك ناقلة اشخاص مدرعة يقف قريبا منها جنديان. ابتعد الصبي فيما كان الجنديان ينظران إلي بإهمال. هبطت المنحدر. صرت ابحث عن طريقة لعبور الشارع بسلامة. عثرت على بقايا خطوط بيضاء على الشارع. انتظرت أن يشاركني أحد ما مغامرة العبور. تذكرت أن ياسر صافي كان في الليلة الماضية قد شعر بالفزع حين سمع كلمة (عبور). أخبرني أن لهذه المفردة وقعا سيئا في روحه. أخبرني انه صار يسمع مَن يقول له ‘انك نازح’. قلت له ‘كلنا نازحون. بيروت التي تراها هي الأخرى نازحة من بيروت التي لم ينصفها الدهر لكي تبقى من أجل أن تراها. هل نسيت بأني نازح أيضا؟’ امشي بسرعة على حبل وهمي مثل راقص باليه لأعبر الشارع. أركض مثل مجنون بين السيارات. أتصل بصديقي صافي لأخبره بأني أخيرا عبرت الى الجانب الآخر. يصرخ بصوت الطفل الالهي ‘لقد نجونا’. كان هنالك كرسي فارغ. جلست لأتنفس. البحر أمامي ومن ورائي بيروت. ولكن بيروت ليست اليابسة وحدها. البحر هو الآخر بيروت. رايت شبح شطرها قد سبق شبح شطري الى الجلوس على ذلك الكرسي. صرنا ثلاثة كائنات تجلس في المكان المخصص لكائن واحد. لن ارمي صنارتي في الهواء حين أزعم أن بيروت كانت تفعل ما يراه الأنبياء أمرا واقعيا. يجرؤ خيالها على خلق تركيب غير متجانس ليصل من خلاله إلى نوع مريح من الفوضى. كانت عينا بائع اليانصيب تتبعاني فيما كانت عيون الجنديين تحثني على الهرب.التقيت امرأة يائسة. سرني أن تكون كذلك. قالت انها تفكر بالانتحار. أخبرتها ان الصخرة في الروشة هي المكان المثالي للقيام بفعل شريف من هذا النوع. قالت ‘إنك شخص سلبي’ لم يكن لدي من المزاج ما يؤهلني للدفاع عن موقفي الايجابي من الحياة، فصرت أدخن. قالت ‘إنك تنتحر’ تذكرت أني رأيت في حانة مزيان بالحمرا منتحرين لا يزالون على قيد الحياة. كان العالم لا يزال جميلا وكانوا يرقصون. اختفت تلك المرأة في الوقت الذي كنت أود أن أخبرها أنه قد سبق لي أن رايتها في مقهى يونس وهي تقبل شابا ملتحيا. لا اظن أنها ستنتحر. حين عدت الى بيتي التفت الى المقهى فرأيتها جالسة هناك. كان الشاب الملتحي نفسه جالسا ينظر إليها بشغف. حين تنظر إلى المرآة لا ترى بيروت صورتها. سترى صفاتها أكثر. بيروت تنام على وسادة من زئبق. qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية