ينام أكثر أطفالنا ونحن نغنّي لهم، ‘ريما ريما الحِنْدَقّه.. شعرها أصفر ومنَقّى’. يمكن لريما أن تنام، وأطفالنا، وهم لا يعرفون معنى ‘حِنْدَقّه’؛ إلاّ أنّه من غير المعقول أن نصحو ونكبر، ونجد ‘حِنْدَقّات’ كثيره في حياتنا، ونحن لا نعرف معناها. قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاما، أعلن الرئيس المؤمن محمد أنور السادات، بطل العبور على الساتر الإسرائيلي، عن إستعداده إلى الذهاب إلى آخر العالم، فكان إسرائيل، وكانت آخرته عنده، على يد بعض الإسلاميين، وصفّق لهم باقي الإسلاميون وهلّلوا وغيرهم. وحمل الراية مبارك، قدراً أو مصادفه، وأكمل الأقدار كلّها حتّى تعبنا ونام.
فما أن هُتك الساتر الإسرائيلي، حتّى بانت علينا ‘البوابه الشرقيّه’، نزود عنها في أطول نزاع عسكري في القرن العشرين، ثماني سنوات عجاف، أكلت الأخضر واليابس من قواميس المفردات الخُلقيّة والخِلقيّة لعروبتنا وديننا، ففتحت قابليّتنا على كل شيء بعدها، وجئنا بالعالم كلّه حتّى آخره، والذي وصل إليه السادات من قبل، هنيئاً مريئاً، يأكل معنا ويشرب ماءنا، ويذود معنا عن بوابتنا الشرقيّه.
هُتك الساتر الديني، عندما شُرّع ‘للكافر’ أن يقاتل المسلم، من على أشرف أراضي المسلمين، وتآخينا معه بعدما توسّع القتال وطال زمن الصحوة الدعويّه مع توسّع الحماسات الزائفة. فلم يكن عجباّ أن تتغيّر قبلة العدو، فذاك عدو الله، وهذا عدو الدين، لا بل وأصبحنا وإسرائيل تحت وطأة جَرَب واحد نحكّ ظهرها وتحكّ ظهرنا بتناوب ومُتعة.
هُتك الساتر الثقافي بعد الساتر الديني، حينما فرّقنا بين دين الله الحنيف ودين الأمة السمحاء، ورحم الله الإمام السلفي المجدّد، إبن قيّم الجوزيّه وهو يقول في كتابه، أعلام الموقّعين عن ربّ العالمين: ‘الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلّها، ورحمة كلّها، ومصالح كلّها، وحكمة كلّها’ ثمّ يضيف قائلاً: ‘ فكلّ مسأله خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدّها، وعن المصلحة إلى المفسده، وعن الحِكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظلّه في أرضه’. هُتك الساتر الأخلاقي تباعاً، بعدما فقدنا ميزة ‘القياس’ وهو بعض ديننا، وفي كتاب الله الكريم ‘فاعتبروا يا أولي الأبصار’، فلم تعد في أخلاقياتنا ما يفي، يصيبنا ما أصابهم، لو صنعنا ما صنعوا. وبدّلنا المؤمن الذي لا يكذب، بمؤمن لا يدخّن، وضعف رادع الفضيلة لمّا أصبحت العصاة أداة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهُتك الساتر الإنساني، وهو آخر نقطة إرتكاز وسط أمواج البشريّة المتحضّره، فأصبحنا نتخلّق الإيمانيّات بتخلّقنا التشدّد، ونأتي على الأرض نحرقها ونباهي نيرون، بقسم المعتصم، وأصيبت الخطيئة عندنا بمرض التوحّد، فقتل السائح، وهدم القبر على من حوله، ونِيح على التاريخ بتاريخ أبشع، ولم نبال بمليون ضحيّة مقابل علم، وكثيرون آخرين يحلّقون بالإيمان ولمّا يأتي خبرهم. وهكذا، حُصر الحَياء في غنوة ومشهد سينما، وليس بعد الحياء شيء، فما أتاكم من النبوات من قبلي ‘إن لم تستح فافعل ما شئت’، أو كما قال صلّى الله عليه وسلّم، فعدنا كما بدأنا مع فارق 1500 سنه ضوئيّه، ‘ فلو نظر أحدهم تحت قدميه لرأنا’، فحقّ لنا أن نخاف ونحن على هذه الحال ولا ندري إن كان الله معنا. تتبع ‘حِنْدَقّه، ‘حِنْدَقّة غيرها، ولا نتعب فنغمض وننام، علّنا نصحو على يوم مِن أيام مَن حملوا عروبتنا ديناً سمحاً، من بوّاباتنا كلّها والشرقيّة معهم، وعلّها تخرص كلّ قصص الأطفال وأغانيهم التي لا نفهمها، وتحيا فينا من جديد، رجولة السلف والخلف الصالح، وتصلحنا. طلال محمود شعبان