في الأغلبية عندما تفكر كأقلية

حجم الخط
0

علاء تباب هل من الممكن تحوّل الأغلبية إلى أقلية؟ سؤالٌ يحمل بين حروفه تناقضاً فكرياً للوهلة الأولى، لكنّ الإمعان بهيكلية واقع المجتمعات في العالم، يبيّن للممعن أنّ الأغلبية العددية من الممكن تحوّلها إلى أقليّة بعينها، عندما يمارَسُ عليها الاضطهاد من الجانب المقابل، وبذلك تتحول الأكثرية الديمغرافية، إلى أقلية ديمغرافية فكرية، تمارس سلوك الأقليات المضطهدة في الدفاع عن ذاتها ووجودها، وبالتالي نكون ضمن نمطٍ اجتماعيٍّ نطلق عليه دَمَغرَفَة الفكر إذا صحّ التعبير.

فمن البداهة التاريخية للإنسان الذي يقرأ القرن الماضي، أن يعلم أنّ الاستعمار لم يخرج الا بكتلته المادية من المجتمعات العربية والإسلامية، ففي حقيقة الأمر ما زال هناك جزء من هذه الكتلة الاستعمارية داخل تلك البلدان، والتي قامت بدورها بالإشراف على حكم المجتمع بالوكالة عن الاستعمار أثناء غيابه المادي عن المنطقة، وغالباً ما مثّلت الأقلية داخل تلك المجتمعات، الجزء الباقي للكتلة الاستعمارية المنسحبة بجسدها الماديّ من المجتمع، سواء كانت تلك الأقلية أقلية ديمغرافيةٌ عرقية، أم أقلية فكرية داخل المجتمع المستهدف، ومن أمثلة استثمار الأقلية الفكرية داخل المجتمع، استثمار الأفراد الذين يؤمنون بأفكار الأنظمة الاشتراكية والشيوعية، داخل البلد الذي تسيطر الثقافة الإسلامية على جمــــيع نواحيه الاجتماعية، أو استثمار المسلمين داخل البلد التي تسيــــطر الثقافة الشــيوعية والاشتراكية على شتى جوانب حياتها الاجتماعية، كقيام الولايات المتحدة باستثمار الجماعات الإسلامية أثناء محاربتها للاتحاد السوفييتي، كأقلية موجودة داخل تلك المجتمعات. أما استثمار الأقلية العرقية، فتتمثل باستثمار الأقلية الكردية داخل الأغلبية العربية أو العكس على سبيل المثال، أو القيام باستثمار القومية العربية من أجل هدم هيكل سياسيّ أواجتماعي معيّن، كما فعل بعض القوميين العرب باستهداف الهيكل السياسي للدولة العثمانية القائمة على القوانين الإسلامية.

وانطلاقاً مما سبق فإنّ ما يحدث داخل العالم العربيّ والإسلاميّ عامّةً، وفي سوريا على وجه الخصوص، هو سلوكٌ ناتج في حقيقته عن الأغلبية الديمغرافية العددية، والتي أمست تشعر أنّها أقلية فكريةٌ مضطهدة داخـــــل المجتمـــع الذي تعيش فيه، مما دفعها للثورة دفاعاً عن الحيّز الفكريّ والثقافيّ لوجودها في العالم.

ولكن ما يُخشى في سوريا اليوم، استثمار الدول الاستعمارية لشعور الأغلبــــية على أنّها أقلية فكرية، وذلك من خلال تحويل الغالبية داخل سوريا إلى أقليّة فكرية، تقوم المطامع الاستعمارية على استغلالها في المنطقة، معيدةً من خلال ذلك، استثمارها للأقليات العرقية والطائفية فيما سبق، ويكون ذلك من خلال تغذية ردة الفعل الناتجة عن اضطهاد الأقلية العرقية والدينية للفكر الذي تؤمن به الأغلبية العددية في الحقبة الماضية، ما يؤدي إلى عدم قدرة الأغلبية على بناء هيكلية مجتمعيّة جديدة، تقوم أركانها على أسسٍ فكريةٍ وثقافيّة غير متطرفة، لأنّ من البداهة التاريخية بمكان، أنّ ردة الفعل من المحال أن تكون قادرةٌ على بناء مجتمعٍ يؤسَس على دعائمٍ فكريةٍ متينة.

وبالتالي فإنّه يكون عرضةً للوقوع بمصيدة التطرف الفكري ودمغرفة الفكر وتحويل الأغلبية إلى أقلية فكرية، ومن ثمّ العمل على استثمار تغذية ردة الفعل لديها، بغية إفشال قدرتها على بناء مجتمع قادرٌ على إعلان استقلاله الفكريّ والماديّ بشكلٍ حقيقي.’ اعلامي سوري يقيم في اسطنبول

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية