هل ليبيا دولة أم دولة فاشلة؟

حجم الخط
0

المبروك درباش ليبيا، دولة النموذج المتقدمة والمتفاقمة حالته المرضية في سباق مريع مع التاريخ. هذه الدولة التي فعلا تنسج بنيانا عربيا لمفهوم ‘الدولة الفاشلة’. لا تحتمل الحالة الليبية كثيرا من التململ الجدلي في تصريف المفردة ‘الفشل’، او تقديريا الدولة الفاشلة، بالقدر الذي يتوجب على كوادرها بأطيافهم، اكتشاف قطب التلاقي المستتر، والعزوف عن اختلاق التماهي الايديولوجي، والرغبة الجامحة في البحث في الامكنة البعيدة عن تميز واهم، لفرض هيمنة ما، على واقع لا يحتمل هذه الأعباء العارضة.لو أخذنا التعريف العام للدولة الفاشلة لوجدنا، وهذا انتقاص مني للفجيعة، تلاؤم مطّـرد، وخليق كئيب، ينبئ عن حالة تقديرية مروعة ومثقلة لأجيال قادمة، تأتي لتلعن كل هذه الأدبيات ومركباتها. وللإجابة على السؤال الكبير: هل ليبيا دولة فاشلة؟ علينا أولا أن نُعرّف الدولة الفاشلة، ونستعرض الأمثلة الموجودة أمامنا، لكي نعرف مكانة التعريف من ليبيا، وموقف المفردة من ما يحدث في ليبيا اليوم، فليبيا ليست الدولة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي قد تؤول، أو آلت بها المقادير حدو هكذا انحدار.الدولة الفاشلة، هي ذلك التكوين الذي، وبعد مروره بحرب أهلية أو داخلية، تمسي حكومته غير قادرة على توفير الاحتياجات السياسية الايجابية لسكانها، آنذاك تفقد هذه الحكومة الشرعية، وبالتالي يفقد هذا التكوين أو الدولة شرعيتها أمام شعبها والآخرين.إحدى التعريفات الأخرى تقول: إنه عندما يصبح جيش الدولة في عراك مستمر مع ميليشيات محلية، تبسط سيطرتها على بعض أجزاء الدولة. الأسئلة المتتابعة هنا، تتساءل عن حال التعريف في حالة وجود ميليشيات، وهي التي فعلا تسيطر على كل أجزاء الدولة، في حين إن جيش الدولة لا وجود له، كما هو الحال بليبيا. هل هذا يعني أن التعريف أكتر أبتهاجا من الحالة الليبية؟ أم أن ليبيا تعتبر حالة متقدمة في درجات الفشل، وأن الاستفحال يضع ليبيا في خانة ما بعد الدولة الفاشلة، كمثال حي لما قد تؤول أليه الدولة الفاشلة.أيضا، إنه من الحكمة لتشخيص الحالة الليبية، أن نستعرض الحالات الأخرى المتعارف على إعتبارها حالات الفشل العضوي أو الكامل: الحالة الكولومبية، باعتبارها مثلا عن إحدى أعراض الفشل وهي غياب الدولة المركزية، وعدم قدرة الدولة على بسط نفوذها على جزء أو أجزاء من اراضيها. كولومبيا فقدت سيطرتها على مايقارب نصف البلد لمليشيات الـ’فارك’ وغيرها من مجموعات مسلحة صارت تنهب ألاراضي وترغم سكانها على البيع بأقل من القيمة، وأحيانا أخرى على هجرها، مما جعل الحكومة في عام 1997 تلغي كل عقود بيع وشراء ألاراضي، مما جعلها منطقة منفّرة للاستثمار والانتاج، وبالتالي موقعا خصبا للإجرام والانتهاكات والفقر. هذا فقط مثال على عدم قدرة الدولة على فرض سيطرتها على ’50 من أراضيها، وبالتالي عدم قدرتها علي إدارة شؤونها كالمدارس، والمستشفيات، ومؤسسات الحياة في تلك المناطق. كذلك الحال في صوماليا ودولة جنوب السودان، حيث، ورغم وجود حكومة مركزية، لا توجد فعالية حقيقية للدولة خارج مباني حكومتها، حتى داخل عواصمها نفسها. فصوماليا من بعد استقلالها الصوري من الاحتلال الانكليزي في عام 1960، واستبداله بدكتاتورية ‘سياد بري’، لم تحظ فعلا باستقرار حكومي، بل بإفرازها لقيمة جديدة في القاموس السياسي وهي ‘صوملة الدولة’، على غرار ‘البلقنة’، التي صارت، اصطلاحا، ترمز لغياب القانون ومؤسسات الدولة برمتها، والتي تعني غياب الدولة واقتصادياتها.كذلك الحال الآخر، الذي يعني بالتمييز العرقي في دولة جنوب افريقيا، حيث صنفت الوظائف العليا في المناجم للبيض فقط، وتُرك للسود الوظائف الدونية في عام 1904، مما جعل بقية الدولة تنسخ نفس السلوك الطبقي على باقي أشكال الاقتصاديات والوظائف الاخرى في عام 1926 حتى 1980، مما سبب في تكبد الدولة، من بعد ذلك، لكثير من الجهد والوقت والمال للرقي بمستوى السود في السنوات الاخيرة، في محاولة لتقريب التفاوت الطبقي الذي أغرق البلد في مركبات متعددة من سلبيات الانغماس العرقي والاجتماعي.هناك عدد لابأس به من الأمثلة الأخرى على الدولة الفاشلة، كما حدث في اوزبكستان من إرغام فئة معينة من الشعب على العمل القصري، أو في مصر، في فترة مبارك، حيث أصبحت القطط السمان هي بوابة العقود التجارية وبالتالي رسّخت لـ’مونابلي الحكومة للسوق’، أو الاحتكار التجاري الحكومي، وحتى عندما خُصخص القطاع العام، كان ذلك لصالح أصدقاء وعائلة وحاشية الرئيس، أو كما حدث في روسيا، حيث النخبة السياسية زعمت أنها قد توقف غول الاندماج مع الآخر، الذي قد يحاول ان يفلت قبضتهم الحديدية على الامور، بإقفالها لبوابة التقنية، أو في دولة سيراليون، حيث سرق الثوار، ومؤتمرهم الوطني، الدولة برمتها، لتفلس نهائيا في عام 1991، حيث أمسى دخلها القومي ‘صفر’ .وأخيرا المثال البوليفي، الذي كان أكثرُ الأمثلة وخزا. فلقد ثار الشعب البوليفي على النخبة الاقطاعية وأرباب العمل الرأسماليين في 1952. لقد كان قادة الثورة من الشخصيات المدنية، التي كانت مهمشة في السابق وغير قادرة على منافسة سادة النظام السابق. ولكن سرعان ما كونت هذه الفئة الجديدة حزبها الحاكم الخاص بها، والذي سمي بـ’الحركة الثورية الوطنية’، وورثت هذه المجموعة المتآلفة المناجم والاقطاعيات والمناصب. ونتيجة لهذا التكالب على غنائم الدولة، انتشر الفساد السياسي والاداري، وانخفض مستوى العدالة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع البوليفي الفقير أصلا لأدنى من مستواه قبل الثورة، وفي عام 1960، صار وضع بوليفيا أسوأ بكثير مما كانت عليه قبل ثورة الشعب. وهكذا استبدلت الثورة أرباب العمل بآخرين جدد، واستُبدلت التعاسة باستبداد ثوري وضيع، وأزداد حال الشعب من بعد ثورته ازدراء وفقرا، وتكوّن على أنقاض كل هذا المجتمع البوليفي البائس. وهكذا، وبناء على هذه الأمثلة، من الجلي أن نتفهم علاقة المفهوم المتعارف عليه، ومقارنته بالمثل الليبي الحي، والذي يَبين في الآتي:يقف فيه رئيس المؤتمر الوطني، والذي يعرف معنى القيم الدفترية وشؤون الصرف، بصفته محاسب حكومي سابق، متهما حكومة الكيب الانتقالية بإختلاس 5 مليار دينار ليبي، من الميزانية العمومية.سيطرة مليشيات خارجة عن القانون على كثير من مواقع الدولة وأسلحة الجيش، ومراكز القوة في العاصمة، ناهيك عن باقي البلد.فقدان سيطرة الحكومة على حدود الدولة، ومساحة كبيرة في الجنوب والشرق والغرب.تسلط فئة معينة على مراكز القوة من وزارات، وشركات ومصالح حكومية، وفق تصنيف مناطقي، أو أيديولوجي.التهجير الداخلي لمناطق برمتها من سكانها، وبأعداد تتجاوز الـ 40 الفا، كما هو الحال في تاورغا، والشقيقة، والتهجير الخارجي لعدد يتجاوز المليون ونصف ليبي في دول مجاورة وأوربية .شن حرب على مناطق غير مؤيدة لحكومة فبراير وإعطاء الشرعية لقتل وسجن أبنائها، وتغليب منطقة على أخرى عبر سنّ قرارات ترقى لمستوى جرائم الحرب، كقرار المؤتمر الوطني العام رقم 7/ 2012.خلق مؤسسات واصدار قرارات فوق وخارج القانون لاعتقال المواطنين كقرار388، الذي اعطت فيه وزارة الداخلية، في عام 2011، الشرعية لـ ‘اللجنة الامنية العليا’، لاعتقال وسجن كل من تعتبره مناصرا للنظام السابق .سجن واعتقال وإعدام وتعذيب أكتر من 7000 مواطن ليبي، أغلبهم بناء على انتماءاتهم المناطقية او القبلية أو لون بشرتهم، بدون حق المحاماة العام اوالتبليغ، في سجون معظمها خارج سيطرة وزارة الداخلية، الى جانب حالات الاغتصاب والأذى المتكررة تجاه السجينات، أو النساء في المدن بشكل عام .غياب الحضور الأمني للبوليس والشرطة، وتغييب دورهم بالكامل، بل استهدافهم بالتفجيرات والاغتيالات، كما هو الحال بمدينة بنغازي.الاهمال المتعمد وغير المتعمد لمشاريع البلد الاقتصادية والاستراتيجية والعبث بها مما سهل فشلها وعدم جدواها.الاستمرار في تهميش دور الجيش الليبي، وتعمد استبداله بمؤسسات أمنية غير شرعية.إن الحديث الدائر اليوم حول ترقب جيران ليبيا لثرواتها المبعثرة وعدم قدرتها على حمايتها، سواء تلامز ‘هيكل ناصر’، بمفاهيم لم يكن اعتباطا تناولها، أو تصريحات بعض سياسيي مصر، مع اقتراب موعد إشعال قناديل أو ‘فنار’ المولد النبوي، بأشياء أقرب الى الثعلبة السياسية، وكذلك الاجتماعات السرية التي يعقدها سياسيو السودان والنيجر مع التشاديين حول وضع الجنوب الليبي، ينبؤ هو الآخر بأن استباحة فراغ الدولة الفاشلة أمسى بمقدور الجميع، ولايجب غض الطرف عنه. إن مجادلة هكذا خطاب بحجج تاريخيه، كحكم شيشنق الليبي أو مساعدة ليبيا لمصر في حرب تحريرها، هو ضرب من الجهل وغياب التفكير الاستراتيجي في العقل الحكومي الليبي، لأن هذا لا يعني شيئا اليوم، إنما الخارطة الجيوسياسية وعدم قدرة حكام ليبيا الجدد على تولي أمورها هو الداء الفعلي، وتغيير ذلك هو الحل اليتيم.كل هذا، وكذلك العديد الآخر من عوارض الفشل الاجتماعي والديني كالظهور المفاجئ لـ ‘سلطة دينية’ مستوردة البيان والخطاب، أي أنها ليست صناعة محلية، وكذلك تفشي الطريقة السلفية والوهابية ومحاولتهما لصناعة مذهب خامس يذهب بغيره ويكفّره. الوهابية هي حصر جغرافي محدد، أي مكانها الحجاز فقط، فليبيا السنوسية تركت يثرب منذ زمن، والأحرى بها أن تترك طرابلس هي الأخرى. إن الشكل والموضوع الحكومي للوهابية وثقافة التزاماتها هم صناعة كنسية كاثولوكية من ناحية البيان، وكهنية على مستوى اللغة والحضور. كذلك الصرخات والفتاوي السياسية، كالفتاوي بغزو بني وليد من قبل ‘الغرياني’، الممثل لهم في ليبيا، تنبؤ بظهور الفاشية الدينية، وأشكال الاستبداد المشائخي في ليبيا، البلد الوسطي الثقافة.إن ظهور هكذا صور في المجتمع الليبي دليل على عدم تواصل المثقف الليبي مع مجتمعه، وإنشغال نخبه بمؤتمرات صوتية، وبنائها لأبراج المعرفة بعيدا عن هم المواطن المؤلمة، وإلا فكيف نفسر ظواهر الجهل بين فتية البلد وانسياقهم وراء تيارات خارجية متطرفة؟. إن الاكتراث المتزايد لمثقفي البلد بمعارض الكتاب وأمسيات الشعر في وجود اطفال وأسر ليبية تسكن العراء، مهجرة في قبور القاهرة، ومنكل بها وذويها، يدل على الهوة العميقة بين المثقف والمواطن، والنخبة وبيئتها الاجتماعية. إن هذا يؤكد ان ما يوجد في ليبيا هي ثقافة السلطة، لا سلطة الثقافة. يتهافت أهل الثقافة على خلق وزارات ومجالس عليا للإعلام والثقافة، متناسين تماما، إن هذه الاجسام هي صنع مناوئ للثقافة ودلالات العالم اللا حر واللا ديمقراطي. كذلك تفشي احتلال القدرات الضئيلة لمراكز القوة في الدولة، إنه يجاهر فعلا بإستفحال الفشل، واعتباره القوام المعتمد، مما سيفلس بليبيا مواردا، وثقافة، ودينا، وقدرة استراتيجية على البناء والنهوض. إنه العامل الرئيس المؤلم الذي قد يبعث الهوان والرخو في قلوب قدرات وعقول البلد الحقيقية، ويلزمها الابتعاد أو الهجرة من غير رجعة. وكذلك تولي عناصر لها علاقات مشبوهة مع أنظمة سياسية عدة في السابق لسدة القرار السياسي في ليبيا، يُعبر هو الآخر عن غياب ملحوظ للتدبير والفطنة والوطنية الأمنية.كذلك، إعتبار الشرعية الثورية مقياسا لتقلد مناصب الدولة وسفاراتها وملحقاتها العسكرية، بعيدا عن نُسق الموضوعية والتنافس القيمي والمناسب للوظائف، وتولي وزراء الحكومة الانتقالية السابقة، والمجلس الانتقالي، ورؤساء المليشيات، يضفي حالة الاجترار السياسي. إن شرعية التغيير تكمن في البديل فقط، فإن كان بديلا مختلفا فهذا استحقاق الشرعية، ويفقدها إن كان نسخة مبتذلة عن سابقه. وهنا تكمن قصة ليبيا الجديدة. إن إعادة نَظْم القصائد القديمة بقوافي حديثة هو سلوك جاهل وعقيم، وتكرار لُبس العباءات القديمة هو فعل إنقلابي المحتوى والاعتبار. إنه من الجلي أن نعي الآن، نحن الليبيون، ومن خلال هذا العرض أو بعضا منه، أن ليبيا فعلا دولة فاشلة، ولا ضرورة للإستحياء من الاعتراف بذلك، ولا الإستحياء من أن هذا هو نتاج موروث فشل الانظمة السابقة كلها، رغم تتويجه اليوم بشكل وقح وغير محتشم. إن ليبيا تترنح اليوم في طريق سهب الى ملاذ قبوهُ مظلم عتم، إلا إذا تنادت أطيافها كلها، بعيدا عن كل عناكب الادلجة المصطنعة، للبحث عن قارب نجاة، قبل فوات الاوان.’ استاذ جامعي في التخطيط الاستراتيجي وكاتب ليبي، مقيم بكنداqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية