د. يوسف نور عوضيعيش العالم العربي في هذه الأيام حالة من الحراك السياسي والاجتماعي بحثا عن رؤية جديدة تولد نظاما سياسيا يعالج المشكلات التي تواجهها الأمة العربية، ولا شك أن ثورات الربيع العربي بعثت الأمل في إمكان تحقق هذه الرؤية، لكن التجربة في بعض البلدان التي نجحت فيها هذه الثورة بدأت تثير تساؤلات أكثر عمقا، ذلك أن التركيبة الثقافية للأمة العربية تتطلب بعض التساؤلات ولعل أهم التساؤلات التي تطرح في الوقت الحاضر تتركز حول حوار الدين والدولة، بكون الأمة العربية متقيدة بعقيدتها وهي تريد أن تعرف مواطن الالتقاء بين القطبين الديني والسياسي في حياتها العامة، وهنا تحضرني دراسة قيمة للدكتورة شادية فتحي حول السيناريو الأقل احتمالا والأكثر تأثيرا في مستقبل واحدة من أكبر الدول العربية وهي مصر. ترى الدكتورة شادية أن ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 كانت ثورة ضد الفساد والظلم الذي استشرى في مصر .ولكن الثورات في العادة تعقبها مرحلة انتقالية وهي المرحلة التي تتم فيها دراسة الشكل الجديد للدولة المقترحة ومن وجهة نظرها فأن الفشل في هذه المرحلة سوف يؤدي إلى إعادة انتاج النظام القديم دون أن يحدث تغير جوهري في بنية المجتمع.وبالنسبة لمصر فإن هناك ثلاثة سيناريوهات مطروحة ، الأول يتعلق بإقامة نظام مدني ديموقراطي يستند إلى مبدأ المواطنة وهو نموذج صعب التحقيق ذلك أن معظم مشكلات العالم العربي تنبع من عدم القدرة على انتاج مثل هذا النظام، أما السيناريو الثاني فهو إقامة نظام برلماني على النسق التركي تكون فيه أغلبية إسلامية معتدلة في تفكيرها وبرامجها.والسيناريو الثالث هو إقامة دولة دينية تكون مرجعيتها متشددة تأتمر بأوامر مرشد أعلى لا مجال لمراجعة أفكاره أو مواقفه السياسية. وترى الكاتبة أنه في ظل هذه السيناريوهات الثلاثة سيكون للمؤسسة العسكرية دور مهم حتى وإن لم تدع للمشاركة في الحكم.وفي إطار هذه السيناريوهات المطروحة، سيكون السيناريو الأكثر جدلا هو السيناريو الديني لأنه لم يجرب من قبل في نظام دولة ولأنه الأقوى من حيث التنظيم ومن حيث السند الشعبي والثقافة السائدة .وبالطبع لن يكون التركيز في التيار الديني على المبادىء والقيم التي يمثلها وإنما على المؤسسات القائمة والتي يدور التساؤل حول مدى قدرتها على تقديم البديل .ويأتي في مقدم هذه المؤسسات جماعة الإخوان المسلمين وهي حركة منذ أسسها الشيخ حسن البنا تركز على أن الإصلاح المطلوب يتحقق بالعودة إلى مبادىء الإسلام، وذلك أمر لا يختلف حوله الكثيرون ولكنهم يريدون خريطة طريق توضح كيفية العودة إلى هذه المبادىء في إطار نظام سياسي، وترى الدكتورة شادية أن جماعة الإخوان المسلمين لم تكن موفقة في تحقيق أهدافها التي اتسمت دائما بالغموض ذلك أن جماعة الإخوان المسلمين ظلت دائما تعمل في المجال السري بسبب مقاومة أنظمة الحكم اليسارية والاشتراكية لها ولكن أتيحت لها أخيرا فرصة حسنة في ثورة الخامس والعشرين من يناير حيث بدأت تعمل من خلال حزب الحرية والعدالة الذي اكتسح الانتخابات البرلمانية والرئاسية ,وعلى الرغم من ذلك فإن هناك حالة من عدم الوضوح في الحزب خاصة عندما يعلن الرئيس مرسي أنه لا يريد أن يقيم دولة دينية، ويمكن أن يفهم هذا الكلام في الإطار السياسي العام ولكنه لا يبدو مفهوما حين يصدر من رئيس يمثل حزب الحرية والعدالة.ومن التيارات التي أفرزتها الثورة التيار السلفي الذي أصدر أول بياناته من الإسكندرية مطالبا الشعب المصري بالمشاركة في الدستور. وتقول الدكتورة شادية إن التيارات السلفية تريد أن تضع أقدامها بقوة في الساحة السياسية وهي لا تتورع في استخدام العنف من أجل تحقيق هذا الهدف.وعلى الرغم من ظهور هذه التيارات بقوة فإن دراسة أجراها مركز ‘جالوب’ تؤكد أن غالبية الشعب المصري لا تريد لهذه التيارات أن تتولى السلطة في مصر، وليس ذلك ضد ما تعلنه بل لأن الشعب المصري شعب وسطي ولا يرى تعارضا بين ما تمثله هذه الأحزاب وما تمثله الدولة المدنية الديموقراطية التي يمكن أن تحافظ على كل المبادىء الدينية كما هو حاصل الآن. وترى الدكتورة شادية أن وصول هذه التيارات منفردة أو مجتمعة إلى السلطة سوف تنشأ عنه عدة مشاكل، منها التضييق على الحريات العامة وبعض المشكلات مع الجماعات الدينية الأخرى وأهمها طائفة الأقباط، وفي جميع الحالات فإن إقامة نظام سياسي تؤثر فيه أي من هذه الجماعات قد يستدعى تدخلا من جانب السلطة العسكرية وذلك من أجل إيجاد حالة من التوازن في داخل النسيج الاجتماعي وهو ما سيعيد الأمور كلها إلى مربعها الأول. ويبدو من كل ما ذهبنا إليه أن القيم الثقافية الخاصة في العالم العربي تأخذ مكان الأولوية على أي طرح آخر، ذلك أن بناء مؤسسة الدولة الحديثة لا يحتاج إلى كل هذا الجدل لأن هناك نماذج موجودة في العالم يمكن النظر إليها والاقتباس منها مثل النماذج البريطانية والأمريكية والفرنسية، وهي نماذج لا تتأثر بالتكوين القبلي أو العرقي أو العقدي في داخل المجتمع وفي الوقت ذلك لا تتعارض معه، إذ نحن نرى في بريطانيا مثلا قانون العلاقات العنصرية الذي يحفظ لكل مواطن حقه فلا يعامل معاملة دونية في أي وضع من الأوضاع ومع وجود مثل هذه القوانين تكتمل مواطنة المواطن وبالتالي فهو لا يريد أي سلطة تحمي حقوقه سوى سلطة الدولة.ولكن هذا الوضع لم يتأكد حتى الآن في العالم العربي لأنه على الرغم من قيام الهبات الشعبية التي أطاحت نظما دكتاتورية فإن الناس مازالوا يتجادلون في أمور أولية يتحزبون حولها وهي الأمور نفسها التي أدت في الماضي إلى قيام النظم الدكتاتورية التي عانى الناس منها طويلا.’ كاتب من السودانqraqpt