د. بشير موسى نافعفي حالات قليلة واستثنائية فقط، ولدت الدولة الحديثة، أو الدولة القومية، في مناخ من السلم والتفاوض، كما حدث، مثلاً، في حالة انقسام تشيكوسلوفاكيا التوافقي إلى دولتي تشيخيا وسلوفينيا. في أغلب الحالات الأخرى، ولدت الدولة في آتون من الحرب، الانهيار الدموي للإمبراطوريات، نضالات التحرر الوطني، أو الصراع الأهلي. منذ بداية بروزها باعتبارها الوحدة الأساسية للنظام الدولي، في أعقاب حرب الثلاثين عاماً، 1618 1648، كانت لحظة ولادة الدولة الحديثة محفوفة بقدر كبير من العنف؛ بحيث أصبح اندلاع العنف المناسبة الأكثر استدعاء لبروز دول جديدة أو انزواء أخرى. وقد تحول المشرق العربي الإسلامي، منذ الغزو الأميركي للعراق في 2003، إلى ميدان لموجات متلاحقة من العنف. واكبت الموجة الأولى الغزو الأميركي للعراق واحتلاله، الذي لم يؤسس لتقويض البنية الوطنية للعراق وحسب، بل وإلى ولادة الإقليم الكردي العراقي شبه المستقل في شمالي البلاد. وإلى جانب موجة العنف الطويلة، التي تعيشها تركيا منذ انطلاق العمل المسلح لحزب العمال الكردستاني في ثمانينات القرن الماضي؛ والشكوك التي تحيط بوضع نظام الجمهورية الإسلامية في إيران ودرجات الصراع المتفاوتة بين الحركة الكردية والحكم المركزي في طهران؛ تعيش سورية إلآن حرباً واسعة النطاق بين قوى الشعب المسلحة، المطالبة بالحرية، وقوات نظام الحكم. تشترك هذه الدول العربية الإسلامية الرئيسية في المشرق في وجود كتل متفاوتة الحجم من الأكراد بين مواطنيها، وحراك قومي كردي متعدد التجليات، منذ ولادة نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى المشرقي. وليس ثمة شك في أن هذه الدول لم تواجه قضية داخلية أثقل عبئاً وأفدح تكلفة، بشرياً وسياسياً واقتصادياً، مثل القضية الكردية. في هذا المناخ من العنف وعدم الاستقرار، تفتح القضية الكردية اليوم على مصراعيها كما لم تفتح من قبل. وإن كان لابد من إيجاد مخرج آمن، لكل أطراف الصراع، فلابد أن تستعيد دول المشرق وقواه السياسية، الكثير من العقل والحكمة، وأن تبدأ حواراً جاداً حول المستقبل، مستقبل النظام الإقليمي والمسألة الكردية معاً.هذا هو الدافع خلف انعقاد الندوة غير المسبوقة حول ‘المسألة الكردية في المشرق،’ التي نظمها مركز الجزيرة للدراسات على مدى يومين كاملين، 13 – 14 يناير/ كانون ثاني، وضمت زهاء الأربعين من الباحثين والأكاديميين والنشطين السياسيين، من العراق، تركيا، إيران، وسورية، أكراداً، عرباً، أتراكاً، وإيرانيين. وكان لي شرف طرح الملاحظات الأولية على المجتمعين، التي تناولت محورين أساسيين: المسألة القومية ككل، ومستقبل المسألة الكردية في المشرق بصورة خاصة. يعتبر الألماني جون غوتفريد هيردر، أحد رواد الدعوة إلى القومية الألمانية، أول من اشتق مصطلح القومية في نهاية السبعينات من القرن الثامن عشر. ولأن الثورتين الأميركية والفرنسية أطلقتا حراكاً قومياً عاصفاً في الساحة الأوروبية، وولدتا عقوداً من الحروب وعدم الاستقرار، فقد أصبحت الظاهرة القومية مجالاً ضرورياً لدراسات التاريخ والسياسة والاجتماع منذ بدأت العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة في التبلور في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. يؤكد النموذج الكلاسيكي لتصور الهوية القومية على أن الأمة، بتجليها القومي، هي نتاج عملية إحيائية. بمعنى، أن الأمم والقوميات هي كيانات أزلية وأصيلة، وأن وعيها بكونها أمة قد يتراجع أو يضعف بفعل متغيرات التاريخ السياسية والثقافية المضادة، أو هيمنة الكيانات الإمبراطورية؛ ولكن هذا الوعي لا يموت ولا يندثر. وما أن تتوفر شروط تاريخية جديدة، مثل ضعف الكيانات الإمبراطورية الجامعة، وولادة الطليعة القومية، حتى تستعيد الأمم وعيها بهويتها القومية، وتبدأ النضال من أجل بناء الأمة الدولة، أو تحقيق التماهي بين الأمة ودولتها القومية. طبقاً لهذا النموذج، تعتبر الأمة الألمانية والفرنسية والعربية والتركية والكردية، مثلاً، حقائق تاريخية موضوعية، قديمة ودائمة، لم يكن يتطلب تجليها على مسرح التاريخ مرة أخرى سوى توفر الشروط المواتية وانطلاق النضال من أجل تحقق الدولة القومية واحتضانها لإرادة الأمة.”” اليوم، وبفضل عدد من الأعمال النقدية الهامة، التي قام بها مؤرخون وعلماء سياسة واجتماع، نعرف أن هذا التصور للأمة بمعناها القومي لم يكن صحيحاً؛ وإن الهوية القومية هي نتاج عملية إنشاء وليس إحياء. وجد العرب على مسرح التاريخ منذ أكثر من ألفي عام، على الأرجح، ولكن العروبة كهوية جمعية قومية ومشروع قومي تعود في جذورها إلى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين. وربما يمكن القول بشئ من الحذر أن هناك الآن عدداً من العناصر التي باتت محل اتفاق في حقل دراسات المسألة القومية:”” 1 – إن الوعي القومي لم يبدأ في التبلور إلا في العصر الحديث، وأن أوروبا الغربية كانت المسرح الذي شهد أولى حركات الوعي القومي. ولكن الفكرة القومية سرعان ما وجدت حاضنات مناسبة في مناطق أخرى من العالم، وأصبحت بالتالي إحدى أهم القوى المحركة للعالم وأكثرها مضاء.”” 2 – إن العناصر التي تستدعي عادة باعتبارها الركائز المؤسسة للوعي القومي، مثل اللغة، الدين، الموروث الحضاري والثقافي المشترك، الجغرافيا… إلخ، هي بالطبع عناصر قديمة في وجودها، ولكن هذا الوجود لم يؤد إلى ولادة الوعي القومي. ولد الوعي القومي من رحم التطورات الهائلة في الاجتماع الإنساني الحديث: تضخم المدن وتوسع نطاق الطباعة والنشر، تسارع حركة وانتقال البشر والأخبار والبضائع، ولادة أنظمة التعليم الحديثة، ومن ثم بناء المدارس والجامعات وإدخال المناهج التعليمية الموحدة والمصممة مركزياً، وانهيار أو ضعف الحدود والجدران بين المؤسسات الاجتماعية التقليدية، مثل روابط الحرف والتجار والعشائر والقبائل والطرق والمذاهب. ساعدت هذه التطورات على تعزيز الوعي الجمعي، والأحاسيس وردود الفعل المشتركة، بين الشعوب، وعلى التفاعل المشترك مع الأحداث، وعلى بروز فكرة وحدة المصير، ومن ثم الوعي بالوجود كأمة واحدة. 3- إن لكل حركة قومية خصائصها وسياقها المميز والمختلف عن الأخريات. فالحركة القومية الألمانية، مثلاً، أجّجها وصاغ خطابها نشطون ومفكرون وفلاسفة وسياسيون، وهي التي دفعت باتجاه الوحدة الألمانية وبروز الدولة الألمانية الموحدة. ولكن الدولة الفرنسية ولدت قبل أن تولد الحركة القومية الفرنسية؛ ويمكن القول أن الدولة هي التي تعهدت ‘فرنسة’ فرنسا وشعبها. هناك حركات قومية لعب الدين فيها دوراً رئيسياً، مثل الحركة القومية الإيرلندية والباكستانية والصربية والبوسنية؛ بينما لم يكن للدين دور هام في الحركة القومية الإيطالية. ويظهر تاريخ الحركة القومية العربية علاقة بالغة التعقيد بين القومية والدين.4- تتطلب الهويات، القومية والإثنية والطائفية، كونها طارئة، أو كونها مكتسبات تاريخية، تسويغاً مستمراً، تتطلب إعادة التوكيد وإثبات الذات. ولذا، فإن الهويات لا تحيا على الحقائق والوقائع وحسب، بل وعلى الأساطير أيضاً. كل الهويات تطور أساطيرها الخاصة بها، أساطير روايتها للتاريخ، لرؤيتها لذاتها، ولعلاقتها بالعالم من حولها. وليس ثمة أساطير هوية بدون قوى مناهضة لهذه الهويات وحركتها السياسية.5- إن موضوعة النقاء العرقي، أو وحدة العرق، التي راجت في الخطاب القومي الأوروبي، واستعارتها الحركات القومية في آسيا وإفريقيا بعد ذلك، هي موضوعة لا تستند إلى حقائق تاريخية؛ إذ أن أغلب الشعوب التي شهدت حركات قومية أو تبلوراً لوعي قومي تعود في الحقيقة إلى أصول عرقية مختلطة. نحن نعرف اليوم، مثلاً، أن العرب، كما أغلب أمم المشرق، لا ينتمون إلى أصل عرقي واحد، وأن العروبة هي ثقافة، ولغة، وميراث مشترك، وإرادة جمعية. وهو ما ينطبق أيضاً على الأكراد المعاصرين، الذين يعودون إلى أصول مختلفة، عشائرية كردية وفارسية، وعرب وتركمان؛ يتحدثون اليوم ثلاث لغات محلية رئيسية. النقاء العرقي في الشرق، بكلمة أخرى، ليس أكثر من أسطورة.بالرغم من ذلك كله، لن يعود العالم ثانية إلى ما كان عليه في القرن الرابع عشر أو الخامس عشر. هذا عصر الهويات القومية، والهوية القومية لن تذهب وتختفي بمجرد أن بعضنا أو أكثرنا يعتقد أنها تهدد الاستقرار والوحدة. وليس ثمة مسألة تتقاطع عندها الإشكاليات التي ولدتها الفكرة القومية في المشرق العربي الإسلامي مثل المسألة الكردية. فكيف يمكن أن نقرأ هذه التقاطعات اليوم؟لقد ألقت المسألة الكردية، خلال العقود التسعة الماضية، بأعباء ثقيلة على كافة أطراف الصراع، في العراق وتركيا وإيران وسوريا، وبدون وضع هذه الأعباء، البشرية والاقتصادية والسياسية، في الاعتبار لا يمكن التفكير في مستقبل المسألة الكردية بصورة عقلانية ومتوازنة.إن المسألة الكردية هي مسألة قومية بامتياز، مسألة متعددة الأبعاد، تتعلق بالأرض وبالثقافة والحقوق المدنية والتهميش الاجتماعي. إن الخيارات الانقسامية المطروحة أمام أطراف المسألة الكردية جميعها، سواء دول المشرق الأربع أو قوى الحركة الكردية الكردية القومية، ليست سهلة؛ وكل من هذه الخيارات محفوف بقدر كبير من المخاطر، وباحتمالات استمرار الصراع: دولة كردية واحدة؛ ثلاث أو أربع دول مستقلة؛ أو الحكم الذاتي في إطار فيدرالي. ليس ثمة حدود جغرافية طبيعية لما يعرف بوطن الأكراد، بينما ينتشر الأكراد في فضاء جغرافي متسع من الدول المشرقية التي يقطنونها. عدد المواطنين الأكراد من سكان اسطنبول وبغداد وطهران ودمشق يفوق عددهم في مدن مثل ديار بكر وإربيل وكرمنشاه والقامشلي؛ وهؤلاء ليسوا مجرد وافدين مؤقتين، بل سكان متجذرين ومنذ عدة أجيال. كما أن المناطق ذات الأغلبية الكردية تضم هي الأخرى جماعات إثنية وقومية، قد لا تقبل الانضواء في كيان قومي كردي، بدون أن تطالب هي الأخرى بحقوق قومية سياسية. وتقدم التجربة العراقية للحكم الذاتي والفيدرالية نموذجاً بالغ السلبية وباعثاً للقلق على الكيفية التي يتحول فيها ما تم تصوره حلاً تاريخياً، إلى محفز جديد للصراع على الصلاحيات والموارد والأرض.إن هناك أسئلة أصبح من الضروري أن تطرحها شعوب هذا المشرق القديم، بالغ التعدد والتنوع الإثني والديني والطائفي: هل من الضروري أن تتجلى كل مجموعة قومية في دولتها الحصرية؟ وهل أن الدولة القومية هي الطريق الوحيدة لتجلي الهوية؟ أليس ثمة طريق آخر لتحقق الطموحات القومية؟ ألم يئن الوقت الذي يطرح فيه كل نظام ما بعد الحرب الأولى المشرقي، بكل ما جره من كوارث على الشعوب، لإعادة النظر؟تنويه: نشر في الخميس الماضي، 16 كانون ثاني/يناير، في هذا الموقع مقالة بتوقيعي تحت عنوان ‘التدخل الفرنسي في مالي: الأسباب والمآلات’. أود أن أوضح أن هذا المقال هو في أصلهتقرير يخص مركز الجزيرة للدراسات، وأنه أرسل إلى ‘القدس العربي’ بطريقة خاطئة، وأنني لست كاتبه ‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديثqraqpt