سميرة عوضعمان ـ ‘القدس العربي’ من سميرة عوض: يلح السؤال: ما الذي يجعل الشاعر عبدالله رضوان يطلق على مجموعته الشعرية الأخيرة عنوان ‘كتاب المراثي’؟.. وما ان تقرأ ما جاء على الغلاف الأخير.. محاولا الامساك بما يشي عن فحوى الكتاب، فتكتشف أنه يفتح أسئلته على العام العربي، منطلقا من الخاص والشخصي، معلنا ضيق الأرض، مستشفا النور من ثورة التونسي البوعزيزي، فنقرأ: ‘لقد ضاقت الأرض يا والدي، والموت أطيب من ذل هذي الحياة،جلاوزة،عسس، وولاة….هي النار…نور يضيء الطريق لأحلامنافتنهض ‘تونس’ من نارهإنه الـ’بوعزيز’،مطلق الورد من كمهلينير الربيع….’.و’كتاب المراثي’ الصادر مؤخرا عن دار ‘البيروني’ ناشرون وموزعون’، جاء في 150 صفحة من القطع المتوسط، توزعت قصائده في قسمين: الاول عنوانه ‘مراثي الرضوان’، وثانيها ‘مراثي البهلول’، واختتم بسيرة إبداعية للشاعر الذي أصدر 19 ديوانا شعريا، وأنجز 11 كتابا نقديا، ومثلها ‘إصدارات مشتركة’، كما اعد وحرر غير كتاب، فضلا عن اشتغاله في العمل الثقافي لعقود، ولا يزال، حاز العديد من الجوائز الاباعية منها: جائزة النقد الأدبي لرابطة الكتاب الأردنيين لعام 1983 عن كتابه ‘النموذج وقضايا أخرى’، وجائزة عبدالرحيم عمر لأفضل ديوان شعر عربي، رابطة الكتاب، عن ديوانه ‘يجيئون ويمضون.. وتظل الحياة’ عام 1995، كما حاز وسام الثقافة الفرنسي بمرتبة فارس، وزارة الثقافة الفرنسية عام 2006.كما جاء إهداء الديوان منسجما مع عنوان المجموعة، ‘إليها أيضا… ولدمعتها التي تهمي لذكراي…’، وفي صفحة تالية وثق مقولة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه- ‘الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا’، وفي صفحة ثالثة وثق ما يشبه الشهادة، ومنها: ‘أشهد أن لا يقين على الأرض إلا الموت/ اشهد أنه لا إله إلا أنت’، وكأنه يؤكد حقيقة الموت بوصفها الحقيقة اليقينية على هذه الأر ض. تضمن القسم ‘مراثي الرضوان’، عدة قصائد حضر فيها ‘الغياب’ وهي: دعاء، نزيف، مرثية الحب الأخير، طافحا بالمسرة والناس، حارس المقبرة، ويكون أن يرثي الشاعر نفسه، قط ألوف، وتضمنت ثلاثة عناوين هي على التوالي: حبيبي عدوي، مكان للموت، يا موت كن لي موطنا. أما القسم الثاني والذي فحمل عنوان ‘مراثي البهلول’، ويشار أن قصائد هذا القسم سبق وان صدرت في ديوان حمل العنوان ذاته في العام 2007، وتضمن 18 قصيدة جاء معظمها متضمنا لحالات بهلول العاشق والانسان، وهي: بهلول أنا أم تراني سواي، بهاء مموسق لبهلول، هسيس لغوايات بهلول، ضلالات بهلول، طقوس لهزائم بهلول، تراتيل لمعراج بهلول، قلبي يورطني دائما، شذى ونبيذ… وصباح بعيد، خرافات بهلول، أيقونة لأحزان بهلول، نعاس الندى… وجراح النهار، مضى ما مضى، ابنهال للدوالي.. فجائع لبهلول، وجع الناي، كواكب شاردة، عويل لمنافي بهلول، ريش بهلول الأزرق. وتشف قصائد المجموعة عن شاعر شفيف، يبدو لوهلة أنه مشغول بأسئلته الوجودية الذاتية وأوجاعها المقلقة السائرة نحو حتميتها المؤكدة، ونجد الشاعر في بوحه يذهب نحو الاعترافات التي تشتبك مع العمر والشيخوخة ‘يندب عمره/ نزقا/ ويسأل شيبه..’.غير انه يأخذ القارئ نحو افق عربي واسع يحتفي بالثورات العربية وربيعها، ملامسا وجعها وصيرورتها ونهوضها، في القصيدة التالية ‘طافحا بالمسرة والناس’ المهداة إلى روح التونسي محمد البوعزيزي، وفيها يقول: ‘وتقوم العروبة من نومها، تشرق فينا الشهادة، روح ‘محمد’ إذ يرتدي ويشرع أحلامه، ذا خالد، وذا ‘حمزة العربي’… ويواصل الشاعر تطوافه الوجودي المشبع بالقلق، مستحضرا الموت في غير قصيدة، وكأنه شغله الشاغل، ليس بوصفه حقيقة حتمية ختامية لحياة البشر، لكن بوصفه ‘تحنيطا’ على ذمة الحياة، ايضا’ حين يحارب الانسان في رزقه ولقمة عيشه، وموقعه الوظيفي، ومصادرة إبداعه، ومحاصرة حريته، فها هو يقول: ‘خذني، وخذ جسدي لدود الأرض، انبت زهرة منقوعة بالعطر، يأخذني فتى متهور لحبيبة خلعت براءتها وعضت خصره’.ويتساءل الشاعر في قصيدته ويكون أن يرثي الشاعر نفسه ‘ما الذي تحدث الأرض بعدي/ ولست سوى عاشق/ شاغل العمر والناس، مستقبلا إرث جدي/ وأحلامه… وانكسارات/ بقايا مهلهلة كالرياح/ وتترى علي المصائب من كل حد’. ويبلغ يأس الشاعر قمة القسوة في قصيدته ‘مكان للموت’، حين يضمن اسمه صريحا في القصيدة، معلنا ان كل ما يريده هو ‘مكان للموت’، حيث يقول: سألوا ‘عبدالله’، بكى من وجع المنفى… قال: مكانا للموت’، في الوقت الذي أجابت سائر الكائنات عما تريده فيما تقدم من القصيدة- فكان جوابها الأوحد ‘البيت’، فأي رغبة هذه التي تجتاح الشاعر، وتجعله يطلق صرخته المؤلمة.qadqpt