غادا فؤاد السمّانبيروت ـ من غادا فؤاد السمّان: هي وحدها، وهي هي، وهي لا غير ‘فواغي صقر القاسمي’، ليست مجرّدَ اسمٌ لامرأة من ضوءٍ بل هي أكثر، وليست مجرّد طيف شعري بوسعه أن يصبغ الآفاق بألوانه المتنوعة بل هي أكثر، حريصة بكامل السماحة، وسموحة بكامل الحذر، إذ عبثاً تُشاركها موائد حنينها، عبثاً تشعر أنّك المدعو لوليمتها النفل وإن من باب التطفّل، عبثاً تحاول أن ترتشف وإن خلسة جرعةَ رحيقٍ من خوابي شغفها المعتّق في ذاكرة الأيام، إنّها هي.. المفردة التي لم تهتدِ إليها جميع الأقلام، لأنها خارج الاستهلاك، وخارج الأسواق، وخارج التداول محفوظة كدرّة فريدة في تاج اللحظة الشعرية الباهظة، إنها هي.. الأنثى المتفرّدة بفضاءاتها السموح حيث ترتّب أفلاك الرؤية سِفْرَاً سِفْرَاً، وتفرش ملاءة حكمتها المتّشحة بالشعر، المُطرّزة بجمر الإنفعال الرصين، الموشّاة بخزف الحكاية حدّ الوجع، بكلّ ما ظهر منها وما بَطن، باسطة رهافتها إلى ما فوق الفوق بأبعَادٍ ودلالات لا يُدركها إلا من فتح جمجمته للريح لينفضَ الغبار من ثناياها، ومن شرّع أضلاعه للروح تتغلغل بين النبضة والنبضة، لتخرج موسيقاها الشجيّة بإيقاعها الخرافي الذي لا يُملّ..ببساطةِ قطرة الندى تنساب قصيدة فواغي صقر القاسمي هيّابة شفافة عذبة رقيقة خاطفة، هي نفحة اللغة الآسرة، ولمحة العبير في مضامين البوح الكامن خلف مداميك العتباتِ القصيّة عن الترويج والهذيان والرغاء والثرثرة، تُحِيك قصاصاتها بخيوطها المنسولة من كبكوب اسمه الشمس لا يطاله سوى أصابع ماهرة ومتمكّنة من إصرار وعزيمة وإرادة، لتصنع من الضوء شالاً يغطّي عتمة الوقت التي أتقنت فيه فنّ الانتظار لليقين القادم، تكابد فيما تُكابد اللحظة الآنيّة الآثمة، على شرف الانتصار الأكيد وإن بعد حين، هكذا تصبح القصيدة لدى فواغي القاسمي ممرّاً آمناً ودرباً خفيّةً بين المَسَارِ والمصير، زادها الحكمة ومزيدها التصميم، جميع الفصول تمرّ فوق موائد حنينها وتحمل بخصبٍ شديدٍ كلّ ما تشتهيه من تنوّع في إيقاع الجَرْسَ الناطق بموسيقا النصّ الشعري، الذي لا يخلو من التلوين الأخّاذ لشكل القصيدة ومضمونها بحثاً عن المُغايرة بكل ما تيسّر لها من أصالة في تدوين المُرْسل اللفظي في البعدين الأساسيين وهما البعد المؤسس للمناخ الشعري، والمدلول المكوّن للمنتوج الفكري القائم على ثقافة شاهقة تجعل الطقس الكتابي لدى القاسمي يرشح بمنظومة معرفية وفكرية باهظة، حيث اللغة أداة طيّعة في تشكيل القصيدة، وحيثُ المخيلة آفاق مفتوحة بلا عثرات، وحيث القصد بلا عناء أو تكلّف، بين نصّ وآخر تصعب عند المتلقي على غِراري المـــفـــاضلة، لهذا آثرتُ أن أختلس ما هو أقرب إلى ذاتي وكأن القاسمي تكتبني وتكتب كلّ امرأة تُدرك فـضاء الحـــرية والكبرياء، ومن أناقة البوح أقتطف: حياتي مبعثرة، بين عشقٍ يسكن فكري..وحبّ يسكن قلبي، ووجدٍ يتلبّس كلّ جوارحي وتكويني..ذاك هو قَدَرِي،أبحثُ عن مرسى، لجندول حياتي المتأرجح على أمواج الغربة..فرّت مني كلّ مرافىء أمني،وأشرعة الريح تمزّقني، تقتلع السارية المهترئة، في ذاتي..وأنا النوتيّ التائه، قد ضلّ سبيله…..وقبل أن تتمكّن من وجداني قصيدة القاسمي أقفل السياق بعدّة نقاط تكفل للمتلقي فضول البحث والمتابعة في الصفحة /81 -82 -83 / من قصيدة ‘ربّي مزّقني إن شئتَ على بابك’، ومن عنوان القصيدة يستبدّ بك حسّ التماهي بين ما يدور في فلك الشاعرة فواغي القاسمي، وماينتابك من شجنٍ موازٍ يرسم أدقّ تفاصيل الوجدان وكأنّ القصيدة مرآتك أنتَ لا مرآة القاسمي وحسب، وقبل أن تستغرق في الرحيل بعيداً إلى غياهب الكون الداخلي للقصيدة وصاحبتها، للحنين وشجونه، تأتلف معها، تارة.. تحاورها كي تكون أكثر وضوحاً، وأقلّ حُجباً وستائرَ، تناورها.. كي تزيل فائض الضباب الذي تتلفّح به إكراماً لغموض لا يشبه سواها، تحاول عبثاً أن تقطع المسافة بحميميّتك الباهظة، فعند فواغي دائما النقاط التي تنهي السطر متى تشاء، أو تبدأ السطر الجديد عندما تشاء، وما عليك إلا أن تستهدي إليها بالتقاط أكبر عدد من الخيوط المتشابكة التي تضعها قصائدها وترسم خطوطاً عميقة في الرمال، سرعان ما تأتي على الأثر عاصفة هوجاء، أو مويجات عابرة للشجن، تمحي كل الخطوط الواصلة إليها، لتستعيد غـــموضها من جديد، وهكذا تبني جسورك معها قصيدة آيلةً لجميع الاحتمالات، يأسرك فيها دائما، كل ما فيها من عواطف لا تنضب مفعمة دائماً بالحنانٍ والحنين.qadqpt