عرس أم الثورات العربية… ومأتمها

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي(1) في عدد ‘القدس العربي’ الصادر في 25 يناير 2011، كان هناك خبر في أسفل الصفحة عن دعوة للتظاهر في مصر اقتداءً بتونس، وتكرر التنويه بالخبر في الصفحة الثالثة، ولكن الخبر المنقول عن أ.ف.ب. قلل من المقارنة مع تونس بحجة أن مصر فيها حرية تعبير أكثر، وولاء الجيش للنظام أقوى. وهو ما كرره مصريون كثر ـ ومنهم معارضون- حسب ما نقله الزميل حسنين كروم في تلخيصاته للصحافة المصرية في الصفحة الثامنة.(2)في تلخيصات كروم أيضاً ناشد كثيرون، بمن فيهم مرشد الإخوان المسلمين، النظام الإسراع بتنفيذ إصلاحات عاجلة تجنب البلاد الازمة وتجنب مبارك مصير بن علي. وفي تلخيصات اليوم التالي، بعد أن انتقل خبر مظاهرات مصر لصدر الصفحة الأولى (بعنوان ‘انتفاضة شعبية تطالب مبارك بالرحيل’)، وظهر لكل ذي عينين أن الأمر جد، كانت تلخيصات كروم تعيد التأكيد على ضرورة التعجيل بالإصلاح. وشارك الزعيم الناصري حمدين صباحي في المناشدات، بينما عبرالبعض عن توقعات بأن مبارك سيصبح بطلاً من جديد لو بادر بالإصلاح. ولكن معظم المتدخلين عبروا عن تشاؤمهم بإمكانية الإصلاح، وتوقعوا الأسوأ.(3)كلنا يعرف ما حدث في لاحق الأيام مع تفجر الثورة التي اكتسحت مبارك ونظامه، مع كثير من الإعلاميين الذين خوفوا من الثورة والفوضى. وفي مصر اليوم رئيس منتخب و’حزب حاكم’، يتلقى كلاهما نصائح من الحادبين بضروة الإصلاح والاستجابة لمطالب المعارضين المتواضعة، وإلا. ولكن الرئيس وحزبه يقللان من المطالب والمطالبين، ويستمران في العناد ورفع التوتر.(4)من غير المتوقع أن يلحق الرئيس محمد مرسي بحسني مبارك عبر مظاهرات تنطلق اليوم للإطاحة بحكمه، وذلك لسبب بسيط، هو أن المتظاهرين لا يريدون ـ حتى الآن على الأقل- الإطاحة بمرسي، وإنما إقناعه بانتهاج سياسة أكثر قبولاً للرأي الآخر. ولكنه بالقطع فقد فرصة أن يصبح مانديلا مصر: رئيساً يوحد ويلهم، وتحول إلى شخصية خلافية ذات لون حزبي فاقع. (5)تتفجر الثورات عادة حين ينفد الصبر ويصل الغضب درجة الغليان، وتعكس خللاً كبيراً في أوضاع أي بلد، وتعبرعن فشل ذريع لنخبه. ويعود تمجيد الثورات إلى تأثير الفكر الماركسي الذي يرى في الثورة غاية الغايات ونهاية التاريخ، إضافة إلى النظرة اللاحقة للثورة الفرنسية (وإلى درجة أقل الأمريكية) باعتبارها أهم تجليات الحداثة السياسية. ولكن هذه لا يقلل من أن الثورات في العادة تكون أحداثاً كارثية على من يقودونها قبل غيرهم.(6)الاستثناء هو الثورات السلمية الديمقراطية، لأنها تستند إلى قدر كبير من ضبط النفس ينسحب لاحقاً على طريقة تكوين السلطة وتعاملها مع مخالفيها. وهذا ما شهدناه في الثورات الشعبية في السودان عامي 1964، و1985، وثورات الفلبين (1986)، ثم أوروبا الشرقية عام 1989 وما نسج على منوالها. وقد كانت ثورة تونس أحد هذه النماذج.(7)عندما يتحدث الناس هذه الأيام عن الربيع العربي، فإنهم يعنون مصر وثورتها حصراً. فثورة تونس لمعت كالبرق، وتحقق نجاحها قبل أن يلتفت العالم لمغزاها، بينما غرقت الثورات اللاحقة من ليبيا واليمن إلى سوريا والبحرين في العنف والاستقطاب. أما مصر وميدان تحريرها فقد ملآ الدنيا وشغلا الناس، وتابعهما القاصي والداني ثانية بثانية. ولم يتوقف إلهام الثورة المصرية على محيطها العربي، بل فجرت الاحتجاجات من نيويورك (حركة احتلال وول ستريت) إلى بكين. (8)تجسدت ‘معجزة ميدان التحرير’ (تعبير سلافو زيزيك) في التناغم الملهم بين القوى المكونة للثورة، حتى لكأن ما شهدته مصر من أسوان إلى الاسكندرية كان أشبه بسيمفونية رائعة تؤدى في الهواء الطلق. أكد المصريون للقاصي والداني، بما تحلوا به من ضبط للنفس أمام عنف الدولة، وبتضامنهم في وجه الإجرام حين أفرغت الدولة السجون وتحول حاميها إلى حراميها، وبما أظهروه من تقبل للآخر وتضحية وإيثار، أن ممارسة الحرية لا تعني الفوضى، وأن قمة الحرية تتجلى في الممارسة المسؤولة لها.(9)ليس من الضرورة أن تؤدي كل ثورة إلى ديمقراطية، وقد كانت الثورة الأمريكية لوقت طويل هي الاستثناء الذي حير كثيرين. فالانتفاضات على الظلم قديمة قدم الإنسانية، ولكنها لم تؤد كلها إلى ما هو أحسن. ومن هذا فإن الثورة المصرية كانت استثناء جميلاً لأنها حققت الديمقراطية قبل أن تنجح. ولهذا أصبحت مصدر إلهام للقاصي والداني قبل أن يعرف أي مراقب شكل النظام الذي سينتج عنها.(10)لهذا السبب وحده كان من المفترض أن يكون ميدان التحريراليوم مشهد أعظم احتفال يعرفه التاريخ، احتفاء بحدث كان من أعظم إنجازات المصريين منذ الاهرامات. ولكن المشهد اليوم هو أشبه بمأتم بعد أن تحول الحلم إلى كابوس. لا أريد أن أناقش هنا من هو المسؤول، بل أحيل أهل الشأن إلى الصفحة الثامنة من عددي 25 و 26 يناير 2011 من ‘القدس العربي’. ليقرأوا بعناية هناك مطالبة مرشد الإخوان المسلمين (وغيره) لمبارك للاستماع لصوت الشارع والمسارعة لاستدراك الأمور قبل فوات الأوان.qraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية