صلاح بوسريففي الورقة التي اقْتَرحَتْها جمعية ‘ملتقى الفنون والثقافات’ بالمحمدية، بعنوان ‘يَدٌ تُصافِح أخرى’، حول العلاقة بين الكتابة والتشكيل، تتكشَّف طبيعة العلاقة القديمة التي جمعت الإنسان بالفن وبالكتابة. وهي علاقة لا يمكن حصرُها، فقط، في التصوير الذي وصلنا من قديم الثقافة العربية، أو الثقافة الإسلامية، في ما أبدعت فيه، في الكتابة الكاليغرافية، التي اعتمدت الخط، كوسيلة للتعبير الفني والجمالي، بل إنها تعود، لمرحلة ما عُرِف بالبيكتوغرام، أي مرحلة ما قبل اكتشاف الحروف الأبجدية، حين أدركَ الإنسان، أنه في حاجة للنعبير عن فكره، وعما يُخالجه من أحاسيس، تُجاه بعض ما بدأ يَسْتَشْعِرُه من رغبة في الفهم والإدراك والتعبير. فما تركتْه حضارة ما بين الرافدين، من كتابات، ورسوم، ونقوش، ورقش، ومحفوات، أو ما يمكن اعتباره، ببعض مقاييس العصر الحديث، أعمالاً ‘فنية’، وما تركه المصريون القُدامى، من تُحَف، وحُلي، ومحفورات، ونقوش، ورسومات، على الأواني، وأعمدة وجُدران المعابد، وغيرها من الأمكنة التي كانت تحظى عندهم باهتمام خاص، وما وصلنا من منحوتات إغريقية قديمة، كلها كانت تُشير لهذه الرغبة البعيدة، عند الإنسان في التعبير عن علاقته بالوجود، وعن تَمثُّلاته الأولى، للطبيعة، ولِما شَغَل، الإنسان ‘الأول’، لأتفادى استعمال كلمة بِدائي، التي لا تعُبِّر عن المعنى الحقيقي للمعرفة الجمالية، أو التعبيرية الفنية، لهذه المرحلة، من أسئلة، ومن أفكار حول بعض الظواهر الطبيعية، أو الغيبية، مما سيأتي الدِّين، لاحِقاً، لتفسيره بطريقة خاصة. ففي ورقة الجمعية، ما يفتح الطريق نحو هذا النوع من التأصيل للفكر التصويري، والجمالي، الذي كان مُحايثاً للكتابة، وربما، كان، بناءً على أن الأصل البيكتوغرامي، هو الأساس، في ظهو الخط، أو الكتابة الصوتية، بنقل الصوت من اللسان، إلى اللوح الحجري، أو إلى جدران الأماكن التي ما زالت إلى اليوم تُشير إلى أثر اليد في نقل الإنسان من زمن الكلام الشفاهي اللفظي المنطوق، إلى زمن التدوين، والكتابة، التي أحدثت انقلابات كبرى في فكر الإنسان، وفي الحضارة الإنسانية، التي خرجت من زمن الذاكرة والاسترجاع، إلى زمن التدوين، والتثبيت، والتقييد، فالعلاقة، بين الرسم، أو التصوير والكتابة، قبل أن تكون علاقةً، بالمعنى الإبداعي الجمالي، كانت علاقةً خطية، عملت خلالها اليد على توسيع مجالات تعبيراتها، بالانتقال من التعبير بالصورة، وتجسيد مداليل الأشياء، كما كان يراها في الطبيعة، أو كما تتبَدَّى له في خياله، إلى التعبير الأبجدي، الذي كان فيه للسومريين دور الريادة، بابتكار الحروف، كما كان لابتكار الأرقام، في ما بعد، دور في الانتقال إلى الزمن الحسابي الرقمي. فقد كان الرسول في حديث له عبَّر عن هذا المعنى، الذي أشار فيه إلى السياق الثقافي الذي تأسست عليه معرفة العرب، وهو ما عمل الإسلام على تفاديه، حين شرع في حَثِّ المسلمين على تَعَلُّم الكتابة. جاء في الحديث، ‘إنَّا أمة لا تعرف القراءة والحساب’. في الثقافة الإسلامية، سَيَتِمُّ، تأويل الرسم والنحت، بطريقة، جعلت منهما شِرْكاً، أو نوعاً من التجسيم الذي اعتبره بعض الفقهاء، ورجال الدين، أمراً غير وارد في تفكير المسلمين، فالتجريد، والابتعاد عن كل تمثيل، أمر مطلوب، لتفادي الخلط، أو الاستيهام بالعودة لـ ‘الوثنية’، وعبادة الأصنام، أي دون النظر إلى ‘الصنم’، باعتباره منحوتة، وشكلاً تعبيرياً جماياً. هذا، كان بين ما ساعد، على الذهاب للخط، وعلى استعمال الشِّعر والقرآن والحديث، وبعض الحكم والأمثال، والأقوال المأثورة، كمعنًى للشكل الكاليغرافي، الخطي، الذي سيصبح توقيعاً فنياً خاصاً بالمسلمين. فابن مُقْلَةَ، كان أشهر الخطاطين العرب، الذين عُرِفُوا بكتابة القرآن، بطريقة جمالية، هي اليوم بين ما يُعْتَبَر من الفنون التي أضفت على الثقافة العربية الإسلامية صفة التعبير الجمالي. ففن ‘الواسطي’، هو كذلك، بين هذه الفنون التي جمعت بين الكتابة والرسم، وأتاحت لهذه العلاقة أن تكون بين أهم الأبعاد التشكيلية الجمالية، ذات المنحى الفني الخاص، بتكريس الخيال الإسلامي، عند العرب، وعند الفرس، أيضاً، للكتابة الخطية، التي ستنتقل إلى الشعر، في فترة ما عُرِف بـ ‘الانحطاط’، من خلال التشجير، والتثليت، والتربيع، والتدوير، والتجسيم، أو التشخيص الخطي، الذي اعتبر فيه بعض الدارسين أن هذا انحطاط، وخروج بالشِّعر إلى نوع من الرُّقَى، والتعازيم والجداول السحرية، أو إغراق الشِّعر في الأحاجي، والرموز، دون النظر إلى ما كانت تختزنه هذه التجارب من طاقات تعبيرية جمالية، يمكن قراءتُها من زاوية فنية، هي نفسها العلاقة التي فيها يتوالَج الشِّعر بالتشكيل، أو بالتعبير الفني، بمعنى العناق والمصافحة، وفق ما ذهبتْ إليه ورقة اللقاء. إننا، في هذه اللقاء، بصدد، علاقة قديمة، لا يمكن فهمها، بالنظر في الكتابة، بمعزل عن التشكيل، أو بالنظر في التشكيل، بمعزل عن الكتابة، بل بالنظر إلى الاثنين، بهذا النوع من الزواج الكاتوليكي، الذي يحدث فيه التوالج، والتعاقُد، الذي يصعب معه فصل الواحد عن الآخر. من هنا أفهم، أهمية، وخصوصية هذا اللقاء، الذي لم يحصر العلاقة مع التشكيل، في جنس كتابي واحد، هو الشِّعر، كما كان يحدث، دائماً، بل وسَّع من الزواج، أو التوالج الذي أصبحت فيه العلاقة بين الكتابة والتشكيل، هي نفسها علاقة الليل الذي يلج النهار كما يلج النهار الليل. فكل واحد، موجود بالآخر، وهو بقدر خروجه منه، فهو داخلٌ فيه. لا يمكن، وفق ما ذهبتْ إليه بعض المداخلات والملاحظات التي جاءت في اللقاء، في مجرد التصوير، بل هي تدخل الكتابة في بنيات النص، وفي مكوناته، وفي فضاء توزيع الصفحة، وتفضيتها، وهو ما لم تنتبه له مداخلات النقاد والكُتاب والفنانين، في هذا اللقاء، مما ما يزال منسياً في وعينا، بالأسف، سواء أكان النص قصة، أم شعراً، أم روايةً. فتوالج الأنواع الإبداعية، كما كنتُ أكَّدْتُ على هذا المفهوم في كتاب ‘حداثة الكتابة في الشعر العربي المعاصر’، هو انتقال بالكتابة والتشكيل، مما هو شفاهي، أو ما يُهيمن فيه الوعي الشفاهي، إلى ما هو كتابي، تكون فيه اليد، هي من تقوم بعملها، وتعمل على تأثيث الفضاءات، والبياضات، بما تحتاجه من خطوط وتعبيرات، ومن سواد وبياض.. وما يمكن أن يَدُسَّه النص، أو الرسم، في طياتهما من رموز ودلالات، تكون معانيها عميقة، وبعيدة، لا يمكن استنفاذُها، أو حصرها في سياق مغلق، مُنْتَهٍ، لا تخوم له. qadqpt