جاء ذلك بقرار رسمي حول ‘الأزمة السورية’: حين تُدين الأمم المتحدة نفسها بالإنحياز إلى الجزّار ضد الشعب!

حجم الخط
0

د. عمّار البرادعي هذا الجنون المتأصل في عقلية بشار والسائر صُعُدا نحو حدّ لا حدود له، لم يعد يُقتصر عليه ولا على شبّيحته والمجموعات الطائفية المستفيدة منه، بل وصل إلى أعلى منبر دولي يُفتَرَض فيه أن يكون حَكَما عادلا بين الدول فكيف بين نظام جزّار وشعبه ؟ نعم، ففي عالم الشرعية الدولية ثبت بالأمس عدم اقتصار ‘ حالة ‘ بشار عليه وعلى نظامه، وتأكد انسحابها على هيئة الأمم المتحدة ذاتها بجلالة قدرها، عبر قرار رسمي أصدرته هي كأعلى سلطة دولية . فحسب ‘خطة الإستجابة للمساعدات الإنسانية إلى سورية ‘ التي أطلقتها المنظمة الدولية بتاريخ 19 كانون الأول الماضي، تم رصد مبلغ 519 مليون دولار نصّت الخطة في بنودها الأولى على تخصيصه ‘للسكان المتضررين’. بمعنى ليس للنظام ولا لشبّيحته. إلى هنا يبدو القرار حكيما وإنسانيا ولا تشوبه شائبة . ولكن ‘عدالة ‘ المنظمة الدولية لم تكتف بذلك، بل وضعت في معرض تحديدها لكيفية تنفيذ هذه الخطة بندا آخر ينسفها من أساسها، ويجعلها تصبّ بالكامل لصالح النظام من خلال اشتراطها بالنص الحرفي : ‘على أن يرأس لجنة الإشراف على إدارة وتنظيم عملية تقدير وإيصال المساعدات نائب وزير الخارجية السوري (أو من يفوضه بالنيابة عنه)، وأن تقوم وزارة الخارجية والمغتربين بالإشراف على المشاريع الإنسانية وتنفيذها!’ .الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الذي أدهشه هذا الإشتراط، أبلغنا مشكورا في تعميمه المؤرخ في 19 الجاري أنه إذ يشكر جميع الجهود المبذولة لتقديم العون والمساعدات للمحتاجين من الشعب السوري، إلا أنه ‘يعبّر عن بالغ قلقه’ حول طريقة إدارة هذه المساعدات وحقيقة وصولها للمحتاجين الحقيقيين في الداخل السوري.وبالرغم من صوابية هذا الكلام الذي يؤمئ إلى الخلل في التناقض المعيب بين النص على تخصيص المساعدة للمواطنين المتضررين، والنص على تخويل النظام المتسبب بكل المصائب التي يعانيها هؤلاء المواطنين بعملية تقديرها وكيفية توزيعها، إلا أن مجرد التعبير عن القلق لا يكفي وحده للرد على هذا الإنحياز الصارخ إلى جانب الجزار ضد الضحية . ولا يرقى إلى مستوى فضح هذا العُهر الرسمي الخارج من رحم ‘الشرعية الدولية’، وسط صمت ذيلها الرسمية العربية، مجرد التساؤل المشروع في بيان التآلف: ‘هل يُعقل أن يقوم النظام بتهديم المدن وقصف المستشفيات والمخابز وتهجير السكان ثم تُقدَّم له المساعدات ليعالج بها ما اقترفت يداه ؟!’ … وهل يُعقَل فعلا أن يصل عمى وطَرَش أعلى منظمة دولية إلى هذا الحد، أم أنها ليست أكثر من أداة طيّعة بأيدي جبابرة القوة والقرار الدولي؟ ثمة من لا يستغرب أي غريب في مسار حرب الإبادة التي يشنها بشار ضد شعبه، ويذكرنا ببعض الحقائق التي تغيب عن الأذهان كقوله : لقد سمعنا كما عايشنا حروبا تدور بين أنظمة ومناوئيها من ثوار ومعارضين، تعود أسبابها إما لصراع على حق أو سلطة، أو تصفية حساب مع متشددي طائفة أو عرق ،أو بين محرومين وظالمين منعّمين .. الخ. لكننا لم نسمع ولم نر حربا يشنها نظام ضد شعبه تتداخل فيها كل هذه الأسباب، وغيرها مما لا يخطر على بال من صنوف الإجرام والباطنية والتجييش الطائفي والتمييز بين فئة وأخرى، فضلا عن الحرمان وفقدان متطلبات الأمن وحتى الخبز. وحده نظام بشار الجزار هو الذي بات يُعلّم العالم بالصور اليومية الحيّة والمباشرة فنون استنباط أبشع وسائل حروب الإبادة الشعبية براجمات الصواريخ والأسلحة المحرّمة في الحروب، دون أن يستثني من جحيمها حتى الهاربين إلى الملاجئ من النساء والأطفال. وهو وحده الذي يجرؤ على التمادي إلى أقصى حد في المناكفة والعناد وقلب الحقائق البيّنة أمام الدنيا كلها، من خلال الإستمرار بتصعيد التعبئة الطائفية في السر، إلى جانب الطرح المناقض في العلن، فضلا عن الأكاذيب وادعاء أحقّيته في مواجهة ما يُسميه بمؤامرة دولية تقودها جراثيم وعصابات عميلة . والغريب أن يحدث ذلك كله دون أن تتحرّك الدنيا جدّيا لمواجهة هذا الوضع، مع أنها تقوم ولا تقعد في حالات أخرى لا تُقاس خطورتها النسبية بما يجري في سورية، فتُسارِع إلى استنفار الأحلاف وتحريك الجيوش لمواجهة حركة سلفية، أو تنظيم إرهابي محدود التأثير لا يستدعي تجييش كل هذا الكمّ لأجل ضربه أو القضاء عليه. استمرار هذا الوضع الشاذ بكل تعقيداته على مدى العامين الماضيين بدأ يرخي بظلاله على بعض من كان يؤكد على استحالة انشطار البلد وشعبه على أسس طائفية وعرقية. ويستند في ذلك على شواهد من الماضي والحاضر ترجح استبعاد وقوع التقسيم، ومعظمها شواهد منطقية، ولكنها من واقع آخر و في ظل ظروف أخرى لا يسودهما نَفَس وباطنية بشار وأبيه، عدا عن أنها تقتصر في خطورتها على جانب واحد من جوانب الصراع. لكن حرب الإبادة العمياء التي يشنها نظام بشار بتصميم جنوني تفوق ما عداها من حالات الإجرام في التاريخ الحديث، كما تتداخل فيها كل الجوانب والأسباب التي يمكن لواحدة منها، إذا ما استفحلت في بلد آخر، أن تدفع باتجاه القبول بالتقسيم كحل بديل للواقع المُعاش، فكيف إذا كان هذا الحل بالنسبة للوضع السوري، وسواء جاء بمحض الإرادة أو الإجبار، أقل النتائج المنتظرة مرارة وأكثرها توفيرا للأرواح والدماء، لاسيما وأن الصفحات المعتم عليها من تاريخ الأمس تُفسّر السر التاريخي لهذا الإمعان الطائفي في الإجرام، وتوحي بالمزيد. لا ريب أن التاريخ لا يُعيد نفسه بالمعنى الدقيق للكلمة، لكن ماذا نقول إذا كانت ثمة أحداث تبقى محفورة في الوجدان نظرا لما تعكسه من توجهات في منتهى الخطورة، كتلك الرسالة التي وجهها ستة ممن اعتبروا أنفسهم’وجوه’ الطائفة العلوية إلى سلطة الإنتداب الفرنسي في العام 1936 ممثلة يرئيس الحكومة ليون بلوم، جاء في ذيلهم اسم سليمان الأسد جدّ حافظ ـ أبو بشارـ، طالبوه فيها بعدم الرحيل عن سورية وعدم منحها الإستقلال، وعللوا طلبهم بما هو أغرب وأخطر منه قائلين ‘إن الشعب العلوي يختلف بمعتقداته الدينية وعاداته وتاريخه عن الشعب المسلم، ولهذا يرفض أن يُلحَق بسورية المسلمة لأن منحها الاستقلال يعني سيطرة العائلات المسلمة على الشعب العلوي في كيليكيا والإسكندرون وجبال النصيرية’. هذا غيض من فيض ما تضمنته الرسالة من نفَس طائفي يُفسّر السبب الأساس لإصرار النظام على تصعيد وتيرة القتل الجماعي، كما يؤكد في المقابل أن عدم تحقق الأحلام الطائفية بالتميّز والإنشطار يعني أن سورية كانت على الدوام عصيّة على التقسيم أمام المحن، ولكنها المحن التي لا توازي في كثافتها جزءا من هول ما نراه اليوم، وهنا تكمن المصيبة.أما الذين يتذرعون بموقفهم المؤيد للنظام المجرم من خلال العزف على وتر الدفاع عن وحدة سورية واستقلالها وممانعتها .. إلخ، فلكل منهم منطلقاته الخاصة التي تبدأ بالطائفية ولا تنتهي عند العمالة والمصلحة الشخصية . ولهذا لا يكلّف أحد منهم نفسه مجرد السؤال: هل من شروط الحفاظ على الوحدة والإستقلال والمنعة ـ وليس الممانعة ـ الحرص على بقاء جزّار كبشّار في سدّة السلطة، وأي وحدة واستقلال وممانعة هذه التي يمكن التذرع بها مع استمرار آلة التدمير في إبادة البشر والتاريخ والتراث؟. ‘ كاتب سوريqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية