محمد عبد الحكم دياببدأ أمس اليوم الأول من العالم الثالث في عمر ثورة 25 يناير بكل ما مر بها من مد وجزر، وما أحاطها من صراعات ومواجهات انفردت بها عن كل ما سبقها من ثورات على مدى أكثر من قرنين. وشهدت الأيام الثمانية عشر الأولى؛ من 25 يناير/ كانون الثاني حتى 11 شباط/فبراير 2011؛ شهدت سموا وكبرياء نال إعجاب العالم، وصارت مضرب الأمثال في التوحد والتكافل غير المسبوق في تاريخ الثورات، وقد فجرت طاقة هائلة كانت كامنة في الشعب؛ واجه بها الصعاب وقدم الشهداء بشموخ وفخر ورضا، فلم تفلح معها حيل الحكم المخلوع ولا مراوغاته، فاضطر للاستسلام أمام زحف اثنين وعشرين مليون مواطن إلى الميادين والساحات في كل المدن والبنادر.كانت فترة وصل فيها الفعل الثوري السلمي والحاسم إلى أقصى تأثيره؛ انتهى بخلع حكم مستبد ومفسد وتابع. وكان لذلك الفعل تأثيره البالغ على الشخصية المصرية؛ حررها من الخوف، وجعلها أكثر إقبالا على المشاركة في صنع الأحداث والتاريخ، وأكثر تمسكا بحقها وبقدرتها على المقاومة، وحول الشارع إلى قوة ضاغطة على أعصاب المسؤولين والقائمين على شؤون البلاد.فور انتهاء الثمانية عشر يوم الأولى انفلت الأمن، وشاعت البلطجة، وأتيحت الفرصة للتخريب والاستيلاء على الممتلكات العامة، واقتطاع مساحات من الطرق العامة والجسور والشواطئ والأراضي الزراعية؛ لإقامة مبان عشوائية وغير قانونية عليها بالقوة وبغير ترخيص ودون توفر شروط البناء القانونية وقواعد السلامة الفنية، وفي جو الفوضى جرت اختراقات أجهزة وعصابات؛ محلية وإقليمية ودولية معادية، ونشطت جماعات الجريمة المنظمة، ومنها ما يعمل لحساب جهاز أمن الدولة السابق، وخدمة فلول الحكم المخلوع، وزاد التهريب وغسيل الأموال والتزوير وتجارة المخدرات، ومنها من غير جلده، إما متخفيا وراء لحية مزيفة، أو خلف جلباب قصير، أو تحت نقاب مزور، واحتل المحرضون منابر الوعظ والإرشاد؛ يدعون لإزهاق الأرواح وقتل الأبرياء، وانتشرت فتاوى الفتنة والتكفير والقتل، وعلت على الآيات والنصوص المقدسة، وانتقل العمل بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة إلى عدوان لفظي وبدني وسباب وشتائم وخوض في الأعراض. هذه السطور تٌكتب قبل ساعات من بدء فعاليات إحياء الذكرى الثانية للثورة، وفي ظروف قلق بالغ، وكأن الناس في كرب وينتظرون الساعة، والكل يترقب ما ستسفر عليه أحداث وتطورات اليومين القادمين. وفي محاولة التعاطي معها وجدت من الأسلم عرض بعض شهادات أطراف وقوى فاعلة؛ تضع اللمسات الأخيرة لتحركها، وذلك أثناء كتابة هذه السطور.جماعات وقوى ‘الإسلام السياسي’، تبذل جهدا خارقا لتكون على قلب رجل واحد؛ تحسبا للخطر. وخوفا من المجهول، ونبدأ بشهادة من شباب الإخوان المسلمين المنشقين، بسبب وقوف ‘الجماعة’ ضد الثورة في بدايتها، والشاهد عضو بالهيئة العليا لحزب ‘التيار المصري’، وعضو سابق فى ‘جماعة الإخوان’؛ اسمه محمد نزيلي، يروي تفاصيل مفاوضات شباب الإخوان مع مكتب الإرشاد؛ والضغط عليه للمشاركة في الثورة من اليوم الأول لها، ونشرت صحيفة ‘اليوم السابع’ أول أمس (الخميس 23/ 1) على لسانه: ‘أن د. محمد مرسي، عضو مكتب الإرشاد وقتها، قلل من جدوى المشاركة، وتحدث بنبرة استخفاف’، وبعد مناقشة مستفيضة لم يُسمح للطلاب بالمشاركة، وأزاح الستار عن تسجيل تم تداوله على الانترنت لعصام العريان يعلن فيه أن الإخوان لن يشاركوا، وبعد جدل بين أحد الشباب والعريان؛ قال الشاب أن ذلك الموقف قد يمنع الناس من المشاركة، وعليه أعد العريان تسجيلا آخر يعلن فيه القرار الرسمي للجماعة بعدم المشاركة، وعلى من يريد ان يشارك بصفة فردية!.وأضاف نزيلي أن عددا كبيرا من مسؤولي ‘الإخوان’ رفضوا السماح للأعضاء بالمشاركة، وكان رد فعلهم يحمل قدرا كبيرا من الفزع، ويذكر أن د. مرسي قال بالنص: ‘يعني انتم شايفين إنه ممكن يحصل حاجة!’. وهي شهادة جاءت في وقت اعتبر فيه الشيخ محمد بديع المرشد العام للجماعة، والحاكم الفعلي للبلاد في رسالته الاسبوعية (الخميس أول أمس) أن النهضة الإسلامية بدأت من جديد ‘ورسالتنا نشر الإسلام في ربوع العالم ورد الإنسانية إلى ربها’!.ويهدد محمد أبو سمرة القيادي بالحزب الإسلامي بقوله: ‘لكل فعل رد فعل، ونحن وجميع القوى الإسلامية سنقوم بثورة إسلامية لإقامة الدولة الإسلامية’ في حالة ما أسماه الانقلاب على السلطة الشرعية، أو محاولة الهجوم على وزارة الداخلية أو مؤسسات الدولة. وبأنه في حالة الخروج على سلمية احتفالات ذكرى الثورة وإسقاط الشرعية سنقوم بالثورة الإسلامية؛ ‘وأول ما سنحرره هو مدينة الإنتاج الإعلامي’،. وفي السياق ذاته أشار بيان الحزب الإسلامي الصادر أول أمس (الخميس) أنه يرى ‘أن العدو الأول للثورة والطابور الخامس هو الإعلام الفاسد، الذي يسعى لتقسيم الأمة إلى إسلامي ومدني ووطني وعميلô لذا قررنا الاحتفال أمام ‘مدينة الإفساد الإعلامي’ ويعني مدينة الإنتاج الإعلامي، محذرا: ‘ كل من سول له الشيطان أنه قادر على إسقاط الشرعية سيمر مرور الكرام، إننا نعلن بوضوح أنه في حالة إسقاط الشرعية فإن الثورة الإسلامية قادمة لا محالة’!، وحذرت الجماعة الإسلامية من سقوط الرئيس المنتخب بغير الطريق الوحيد المتاح والشرعي في 2016، فلن ‘يكون هناك حاكم لمصر من بعده سوى بقوة السلاح وسيعلو صوت العنف فوق كل صوت’!!. وأضاف في حال إسقاط الرئيس سيتدخل التيار الإسلامي الثوريô’ ووقتها يكون سلاح الاستشهاد أقل ما يمكن أن نقدمه في مواجهة ما أسماه ‘الفجور الشيوعي العلماني والناصري التخريبي الحاقد على الإسلاميين ومشروعهم الإسلامي’!!.وأدلى الأزهر بدلوه بحوار مع أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعته الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية الشيخ أحمد محمود كريمة نشرته مجلة ‘صباح الخير’ الثلاثاء (22/ 1/ 13)، ووصف الموجودين من جماعة الإخوان بأنهم ليسوا أتباع حسن البنا، وأُطلِق عليهم الإخوان القطبيون، ووصفهم بـ’المتسلفة الوهابية’، ولهم فهم مغلوط وأفكار خاطئة، يريدون فرضها بالقوةô ولا يجيدون إلا الصراخ، وبالتالي ‘يهينون الإسلام بقلة علمهم’، وأقولها بكل جرأة، لم تتم إهانة الإسلام وعلمائه إلا في عهد الرئيس مرسي، قالوا ان القرآن يشتمل على ألفاظ سب وشتم وأن النبي (ص) كان يسب ويلعن، واتهموا الصحابة بذلك ايضاً؛ أين رئيس الدولة الذي يحفظ القرآن من إهانة أصول الإسلام في عهده؟، وأين شيخ الأزهر من هذا الهراء؟، وأين المجتمع المسلم الذي ثار من أجل رسمة كاريكاتورية حقيرة أو فيلم تافه فمزق الإعلام واقتحم السفارات وقاطع المنتجات، لكنه وقف صامتاً أمام تطاول السلفية على كتاب الله ورسوله؟.وجاءت شهادة عبد العظيم حماد رئيس تحرير صحيفة ‘الإهرام’ السابق في حواره مع وائل الإبراشي على ‘قناة دريم 2’؛ من خلال بعض ما ورد في كتابه الجديد عن ‘الثورة التائهة’ والصراع بين الخوذة واللحية والميدان؛ كاشفا الستار عن تفاهمات واتصالات بين الإخوان والبيت الأبيض قبل وأثناء الثورة، منذ 2007؛ قال: ‘طلبت من اللواء (مختار) الملا عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة والمشير (حسين) طنطاوى رئيس المجلس الإدلاء بشهادتهما للتاريخ’ وطالب بشهادة رموز شخصيات من تيار ‘الإسلام السياسي’ هم: المرشد السابق مهدي عاكف، وممثل الإخوان الأسبق في أوروبا الأخ والصديق كمال الهلباوي، ونائب المرشد السابق محمد حبيب لتسجيل شهاداتهم عن تلك التفاهمات والإتصالات للتاريخ ‘ومن أجل الدين والوطن والثورة’! حسب قوله. ”وفي الجبهة المقابلة نوه القيادي العمالي البارز والناصري المعروف؛ عضو ‘جبهة الإنقاذ الوطني’ كمال أبو عيطة إلى سقوط دولة الإخوان، تعليقا على ظهور أحمد شفيق الأربعاء الماضي على شاشات التليفزيون معتبرا ظهوره نتيجة لسقوط دولة الإخوان و’لاستعادة دور انتهى ولن يعود مجددا’.ودعت ‘جبهة الإنقاذ الوطني’، في بيانها الصادر بمناسبة ذكرى الثورة؛ دعت المصريين للاحتشاد بمختلف الميادين تحت شعار ‘استمرار الثورة والتصدي لأخونة الدولة ‘، معتبرة ‘أنه بعد عامين من الثورة المجيدة، تراكمت أخطاء النظام الإخواني وقصوره وعجزه ما أدى إلى تدهور الاقتصاد ومضاعفة معاناة الملايين من أبناء شعبنا، وانفلات الأمن الداخلي والقومي، وتراجع الحريات العامة والخاصة، وهو ما يدفع البلاد إلى هوة الدولة الفاشلة’.أما ‘الحزب الناصري الموحد’ الذي اندمجت فيه الأحزاب الناصرية الأربعة؛ الحزب العربي الناصري، وحركة الكرامة العربية، وحزب الوفاق القومي، وحزب المؤتمر الشعبي الناصري أشار في أول بيان له إلى سقوط النظام ‘يوم أن سار على درب الرئيس المخلوع؛ وسياساته المعادية للشعب وطموحه فى بناء مجتمع حر وحياة كريمة تتحقق فيها أهداف ثورة يناير فى ‘العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية’. وذكر أن عبد الناصر قالها عام 1968 بعد النكسة: ‘الشعب يريد وأنا معه’ والحزب على خطاه، فإذا الشعب أراد اسقاط النظام فهل في مقدور ‘الحزب الناصرى الموحد’ قول لا؟.وطالبت إئتلافات ‘شباب الثورة’ في بياناتها بالقصاص وإسقاط مرسي، هذا بينما تبنى ‘المجلس الوطني’ مبادرة تدعو إلى انتخابات رئاسية مبكرة؛ حرصا على العملية الديمقراطية، وإذا ما فاز مرسي يستمر في منصبه وإذا خسر عليه إما الاعتزال أو الانضمام لصفوف المعارضة، ورأى ‘المجلس’ أن المبادرة لتجنب إراقة الدماء، والحفاظ على النهج السلمي للثورة، وبذلك تتحول صناديق الاقتراع من حراب ‘غزوات’ حرب التمكين الطائفية والمذهبية المشتعلة إلى آليات حل ديمقراطي يجعل من مصر مثلا يحتذى لدى الآخرين!هذه بعض شهادات لمواقف أطراف وقوى فاعلة عرضناها للتعرف على حال مصر عشية إحياء الذكرى الثانية للثورة. وتبقى مشكلة الرأي العام الشعبي، الذي يعتقد أن النحس يحيط بركاب مرسي، وهذه القناعة تعكس إحساس الناس بفشل الحكم، الذي وضع مصر على أعتاب الدولة الفاشلة.. وقبل أن أنهي هذه السطور طيرت الأنباء صورا عن حرائق ومواجهات بدأت مساء الخميس وصباح الجمعة – أمس وأول أمس، والأمل ألا تتسع وتعم البلاد!!. ‘ كاتب من مصر يقيم في لندنqraqpt