كمال القاضيالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ من كمال القاضي: احتلت السياسة موقعاً رئيسياً في كتابات نجيب محفوظ الروائية فلم يكن يغفل إشكالية خلطها بالدين عند من يريدون غطاء لتمرير أفكارهم الوصولية الأصولية, ولهذا انتبه وحذر كثيرا من خطورة اللعب بالنار, فنجده في رواية زقاق المدق يكشف لنا نموذج الرجل الملتحي المنتسب مجازا للتيار الديني, فيما تعكس الحقيقة أن مجموع محصلته الفقهية لا يتجاوز بضع كلمات ينطقها بالفصحى ويفرض بها وصايته الثقافية على أهل الحارة لدرجة ان تكرار الوعظ والتصحيح بات مثيرا للسخرية فلم يعد أحداً يتعامل بجدية مع ما يقوله الشيخ المسن الوقور, ولكي يتذكر القاريء العزيز هذه الشخصية أصيلة الى الفيلم الذي جسد الرواية بنفس العنوان ولعب فيه الفنان القدير حسين رياض الدور ذاته بمنتهى المهارة.وليست هذه الرواية وحسب هي ما رصد من خلالها الأديب الكبير ألاعيب تجار الدين فهناك أمثلة كثيرة من بينها النموذج السلبي في رواية الحرافيش, الشقيق الأصغر لعاشور الناجي الذي بدأ حياته عربجياً على عربة يجرها حصان ثم انقلب في غضون سنوات قليلة الى صاحب وكالة أقمشة برأس مال ضخم جمعه من لعب القمار والدعارة, والغريب أنه في نفس السياق وبين الانغماس في كل الموبقات يعود إلى أهله في الحارة وقد ارتدى ثياب العفة والطهارة واتشح بوشاح التقوى وأمسك بمسبحة طويلة في إشارة لصلته الوطيدة بالذكر والتسبيح, الإكسسوارات الدينية توافرت كلها في الشخصية المخادعة ولكن لم ينسى نجيب محفوظ أن يميط اللثام عنها في نهاية الرواية التي حولتها السينما الى فيلم بعنوان ‘التوت والنبوت’ فتبدو عارية تماماً ويئول مصير ابن الناجي المتدثر بعباءة الإسلام إلى الهلاك وتسقط عنه الهيبة ويموت منتحراً لأنه عجز عن مواجهة أهل الحارة.في رواية الشحاذ يهيم البطل عمر الحمزاوي على وجهه بعد تضاد الأفكار والمعاني في رأسه وعدم القدرة على التيقن من الحقيقة نتيجة عدم الثقة فيمن يطرحون الدين حلاً لكل المشاكل وينصبون أنفسهم حكاماً بأمر الله, فيما يمارسون هم عكس ما يزعمون ولا يتمسكون بحرفية الشريعة ونصوصها إلا حين تتلاقى مصالحهم مع النص القرآني, يصطدم بطل الرواية بالواقع الجوهري لحماة الدين ورافعي شعاره فيولي وجهه عنهم ويلك طريق العقل للبحث عن الحقيقة بمنطق الأشياء ذاتها وليس بمنطق الخطابة الذي تتلون فيه الأصوات وفق ما تقتضيه الحاجة.هذه الرواية وغيرها مثلت عذابات الأديب نفسه فهو من طرح العديد من الأسئلة الكونية وأفنى وقتا في البحث عن إجابات لما يشغله ففي رواية السمان والخريف وقف البطل أيضاً في ذات الحيرة وإن بدا الأمر مختلفا بعض الشيء, حيث الأسئلة المحيرة كانت سياسية بالدرجة الأولى, ولكن هذا لا ينفي التشابه فلا فرق عند من لا يجد الإجابة ففي الحالتين الأزمة قائمة.الصراع الذي تبلور بوضوح عند نجيب محفوظ في روايته الشهيرة ‘أولاد حارتنا’ ظل موجودا حتى آخر أعماله ‘أصداء السيرة الذاتية فلم يكن قد استراح بعد من عناء الأسئلة المعضلة, وربما هذا التشكك في هوية من يتصورون أنهم على حق وإصراره على تجريد المعنى الديني هو ما أدى به الى الوقوع في فخ التكفير وتعرضه للاغتيال على يد طبال أمي لم يقرأ حرفاً واحدا مما كتب!!هذا المنحى كان الأخطر على الإطلاق في حياة الرجل إذ تم ضرب الحائط بكل الأفكار والصياغات والفلسفات وبقي المفهوم الوحيد الراسخ في الأذهان لدى أرباب الجهل أنه كافر يحل دمه, ومن دلائل اليقين عند صاحب البصيرة الأدبية أنه لم يكترث بما حدث ولم ينقطع عن الكتابة برغم العاهة التي سببتها له الضربة الغادرة, فقط انخفض منسوب الإبداع الى الحد الأدنى مع استمرار الكاتب الكبير في رصد ظاهرة العنف وربطها بالمعتقد الديني فكثير من جلساته الأدبية الخاصة دارت حول العلاقة القسرية بين المكونين الثقافيين المتضادين, ولو أن محفوظ وهو الذي استشرف الواقع السياسي مبكراً قد عاش هذه الأيام لكان كتب جزءا ثانيا من رواية ثرثرة فوق النيل عن حالة التوهان والتخبط الذي تعانيه البلاد جراء غياب الرؤية وأضاف الى الفلاحة القتيلة وهي الرمز المشير إلى مصر عشرات الفلاحات القتيلات مع التغيير في ملامح القتلة وانتماءاتهم الفكرية والسياسية.وليس مستبعدا كذلك أن يكتب جزءا آخر لرواية ‘أولاد حارتنا’ يدلل به على ما قادنا إليه الجهل بالدين والسياسة والثقافة فذاك ابلغ في التعبير عن الحال الراهن الذي غابت عنه كل المفردات وبقي التعصب مفردا واحدا يحدد سمة الحوار الدائر بين الأطراف المتنافرة ويؤكد أنه حوار طرشان لا يفض لشيء ولا يفهم منه شيء برغم الصراخ والعويل والصوت العالي.أمام غلبة السياسة والدوائر المنغلقة عليها تراجعت أدوات الإقناع الأخرى ولم يعد في الإمكان غير اجترار ما هو كائن في الكتب والروايات والأعمال الفنية نسوقه كأمثلة وأدلة على أن ما يحدث لم يكن غائباً عن وعي أصحاب الرؤية الإبداعية وعلى رأسهم نجيب محفوظ ثاني اثنين ممن دفعوا ضريبة استقلال العقل هو وفرج فودة ومن بعدهما نصر حامد أبو زيد, والبقية تأتي.qmaqpt