عبـدالحق ميفرانييقر القاص حميد ركاطة أن القصة القصيرة جدا ‘حبـيبـته’، فالقص يحاكي العالم وهو يملك هكذا عالم مليء بـالحكي، حيث الكتابـة في توهجها والكتابـ في اغترابـهم. لكن، ما يجعل لهذا الاغترابـ معنى هو تلك الجرعات المفرطة من القصة القصيرة جدا. بـهذه العتبـة يستضيفنا القاص حميد ركاطة الى مجموعته ‘دموع فراشة’ والصادرة عن دار التنوخي بـالربـاط سنة 2010. ما يقاربـ 76 نصا قصصيا قصيرا جدا أشبـه بـالطلقة خطها كاتبـها بـجسارة من يفضل اختصار العالم في فكرة شذرية قصيرة جدا، شساعة هذا التشظي والاغترابـ الذي يعم سماء القصص على امتداد 110 صفحة.تصدر المجموعة في سياق حراك قصصي لافت، واهتمام متزايد بـجنس القصة في المغربـ، وخصوصا هذا المنجز النصي المتزايد لإصدارات القصة القصيرة جدا. وهي محاولة يصر كتابـها على ترسيخ هويتها ‘مغربـيا’ ولما لا ‘مغربـتها’!..فهل تحتاج القصة القصيرة جدا ‘للمغربـة’؟. ضمنيا نحن أمام تراكم يتزايد وإصرار على تنظيم ملتقيات مغربـية وعربـية لتأكيد هذه الريادة ‘المغربـية’. وكأن القصة القصيرة جدا هي إحدى فتوحات مشهدنا الإبـداعي.. الى هنا قد يبـدو الأمر أكثر مدعاة للالتبـاس، لكن إصرار المبـدع المغربـي على خلق تراكم نصي يؤكد مسارا جديدا لرفع حال الالتبـاس. رغم أن الأفق يظل هو تقعيد تجربـة القصة القصيرة جدا في المشهد الإبـداعي المغربـي..المبـدع حميد ركاطة أحدهم، ساهم من خلال كتابـاته ونصوصه وإشرافه الجمعوي في توسيع قاعدة هذا الهامش. رغم أن المبـدع ركاطة والى جانبـ قلة من المبـدعين الذين اتخذوا هذا الجنس مجالا للكتابـة و’التنظير’ حاولوا أن تكون نصوصهم أكثر استجابـة لجسد الإبـداع المغربـي ولمتخيله. ولا نتحدث هنا على مستوى البـناء فقط، فهذا الجدل النقدي سيظل مستمرا منذ كشوفات القصة القصيرة جدا القادمة من أجواء وجغرافيات إبـداعية ‘قصية’. بـل على مستوى المضامين والموضوعات والتيمات، وهنا يصر القاص ركاطة في ‘دموع فراشة’ أن يجعل قصصه القصيرة جدا مسكونة بـالوطن وبـشخوص متشظية وبـعنصر الانكسار الذي حول جل قصصه الى طلقات للألم. ومن تم يسهم السارد في ‘دموع فراشة’ جعل ‘القصة القصيرة جدا’ مفارقة إبـداعية بـامتياز خاضعة لشرط وجودها ولسؤالها.ينظم السارد هذه العناصر من خلال حالة ‘الالتبـاس’ التي نستشعرها مع مطلع كل قصة ونظرا لطبـيعة القصة القصيرة جدا ونظامها الداخلي فإن إصرار المبـدع حميد ركاطة، وطيلة 76 نصا، وهذا ليس بـاليسير على جعل النصوص تخضع لقالبـ متدرج. في نصه القصصي القصير ‘دموع فراشة’/ص21 تتشبـه القصة بـ’الأنثى’ بـملامحها المتمنعة وتتحول الى ذات ‘بـقناع’ يوزع الابـتسامة على الآخرين. ذات/ استعارة على شكل إبـداعي متمنع لا نستطيع تحديد ملامحه النهائية ولا يمكننا بـالمرة أن نتعرف على صفاته تحديدا. وهو ما يعيدنا الى سؤال القصة القصيرة جدا في قدرتها على ‘الالتبـاس’ وتمويه قارئها في انفتاحها الدائم على سؤال ‘التشكل’ هي لا تحتاج ‘لاستراتيجية’ محددة بـقدر ما تحافظ على ‘بـكارة’ تجنسها الإبـداعي.القاص أشبـه بـ’الخائن’/ص71 عند سارد ‘دموع فراشة’ لأنه متشبـع بـالوطن وبـآلامه وانجرحاته، منحاز لمصير المهمشين. ووفق هذا المنحى يقدم السارد جزءا من مرجعياته التي تنصر لقيم الوطن، إنه ‘عاشق الوطن’ ـ ص79 بـاختصار، يهربـ آماله في أحلامه وفي ‘نصوصه’ الأشبـه بـ’الطلقات’. تتحول ق.ق.ج الى جسر للتعبـير عن آمال الوطن المجهضة، وبـهذا المعنى أيضا يصرح القاص حميد ركاطة بـ’انتمائه’ الايديولوجي في تعارض مع اختياره الإبـداعي والذي لا يمكنه أن يتحمل أكثر من الإيجاز والتكثيف والمفارقة.تنضاف مجموعة ‘دموع فراشة’ الى المنجز الإبـداعي في المغربـ، والذي أمسى يرسخ لقصة قصيرة جدا تنصت لمتخيلها الشعري والسردي في توازي مع محاولة تقعيد لقصة قصيرة جدا ‘مغربـية’ بـامتياز. اختيار ‘دموع’ لهذه الفراشة المتحررة والتي لا نستطيع بـالمرة أن نحدد لها أفقا ولا شكلا متجانسا ولا بـناء كونيا، يحيلنا على حالة التفكير في القصة القصيرة جدا. ‘كل شيء نسبـي’ هكذا يقترح علينا السارد في المجموعة ككل وفي أفق النصوص ما يقدم أفقا دلاليا لهذا المنحى. ولعلها رهان كتابـة حميد ركاطة السردية والتي تراهن الكتابـة والتفكير في القصة من خلال المنجز وتناميه وانفتاحه على المستقبـل.qadqpt