سليم عزوز ليس معلوماً لدينا عدد ثوار ماسبيرو، لكن أحد الثوار الحقيقيين في هذا المبنى، وكان يمدنا بأخبار الفساد فيه من قبل الثورة، كان قد دعي الى مظاهرة حاشدة من قبل الثوار الجدد، فكان العدد قليلا للغاية، وعاد من هناك مستاءً. وأنظر أحيانا في صور الفاعليات لثوار ماسبيرو، فلا أجد أسماء بعينها كانت لها مواقف في مواجهة بطش الإدارة، وسوء استعمالها للسلطة، في زمن كان للموقف ثمن، وكانت هالة فهمي تقدم برنامجاً رائعا للأطفال بالقناة الثالثة.طريقة اختيار العاملين بمبنى التلفزيون المصري، وطريقة شغل الوظائف به، ربما لا تمكن من وجود عناصر متمردة، ولكل قاعدة استثناءاتها، التي تؤكدها، وكان المبنى هو رمز السيادة الوطنية، لذا فكان الضبط الأمني فيه على أشده، حتى لا يكون لقمة سائغة لأي تنظيم يستهدف الاستيلاء على السلطة، ولم يكن هذا ليتحقق إلا بإلقاء البيان الأول منه، وظل الحال على هذا النحو، حتى بعد أن هجرها الجميع، ولم يبق أمام أصحابه إلا أن يوزعوا ‘علبة سجائر كيلوباترا’ مجاناً، لكل من ‘ يعصر على نفسه ليمونة’ ويشاهده.في ليلة 28 يناير 2011، جاءت فرقة من الحرس الجمهوري لترابط أمامه، مع أن الثوار لو اقتحموا المبنى وظلوا يذيعون بيانهم الأول، قبل الأكل وبعده، فلن يسمع بهم أحد، فالتلفزيون الرسمي لم يستطع أن ينافس القنوات السياسية، ومن ‘الجزيرة’ الى ‘العربية’، ولم يستطع أن ينافس قنوات ‘الهشك بشك’، ومن ‘روتانا سينما’ الى ‘العربية’ أيضاً باعتبارها قناة بلا ملة.ثوار ماسبيرو فكرة ارتبطت بمرحلة ما بعد الثورة، وفي وقت شاهدنا فيه ثوارا في كل مكان، حتى شاهدنا ثوارا في وزارة الداخلية، يناضلون من اجل السماح لهم بإطلاق لحاهم، ولا ندري أين كان هؤلاء والوزارة تمارس التنكيل، والتعذيب، وتنتهك الحرمات، ومواجهة كل هذا الإجرام مقدم على إطلاق اللحية وحف الشارب.قبل الثورة سمعنا عن حالات رفض لسياسة قيادات ماسبيرو الخاصة بالاستعانة بكوادر من خارج المبنى في مجال تقديم البرامج، وعلى أساس أن التلفزيون المصري مملوك للعاملين فيه، باعتباره ميراث العائلة، وقيل إن برامج وهبت، فتوقفت حركة النضال، الى أن قامت الثورة، وسمعنا عن ثوار ماسبيرو، وجاءت هالة فهمي الى ميدان التحرير فاضحة سياسة هذا التلفزيون الذي أخذ على عاتقه مهمة تشويه الثوار، وشيطنتهم، فهم يشربون ‘البيرة’ ويأكلون ‘كنتاكي’ ويتم دفع ‘ 50 دولاراً’ عن كل رأس في الميدان، والدافع هي جهات أجنبية، وذات ليلة من ليالي الثورة سمعت ثائراً رفض ذكر اسمه، (هكذا جرى تقديمه) كان يبكي بحرقة عبر الهاتف، ويعلن اعتذاره للحبيبة مصر، لأنه لم يكن يعلم وهو ذاهب الى ميدان التحرير، أنه يخونها بالغيب.كانت طريقة كلامه، توحي كما لو أن مصر ‘واحدة ست’، وأن هذه الست هي أم أولاده، وقد خانها بإقامة علاقة سرية مع ‘جزر البهاما’ مثلاً، ألم يغن عبد الحليم حافظ من قبل: ‘وبلدنا على الترعة بتغسل شعرها’؟.. وعندما سأل المذيع الاوزعي الثائر المتنحي، كيف تأكد له ان ما يحدث في ميدان التحرير هو خيانة للوطن، فجر قنبلة بأن هناك كثيرين في الميدان يتحدثون ‘انكليزي’.. ثكلتهم أمهاتهم.. ‘انكليزي’ شخصياً؟!.. فقد كانت الخيانة علنية، والحديث ‘بالانكليزية’ يتم في وضح النهار، وبدون خجل أو وجل، وكأنه جرى اعتماد ‘الانكليزية’ رسمياً في التحرير. وإذا كان المتحدث مجنوناً، فليكن المستمع عاقلاً، إلا أنه بدا للعيان أن المذيع تأثر تحت وقع الحب لمصر، وهو يسمع المؤامرة عليها، الى درجة ان يوجد في ميدان التحرير من يتحدثون ‘الانكليزية’.. ‘لبلب’، أي بطلاقة.هذا التجاهلثوار ماسبيرو، احتجوا على قرار قالوا إن وزير الإعلام صلاح عبد المقصود أصدره خاص بتجاهل أحداث الذكرى الثانية لثورة يناير، إن شئت الدقة فقل انه رفض تغطية وقائع يوم أمس 25 يناير، وما يتبعه من تداعيات، وبشكل يكون به هذا التلفزيون خارج نطاق الخدمة.قبل كتابة هذه السطور قمت بجولة حرة بين قنواته، فتأكد لي انه يبث إرساله من دولة أخرى، فلا ذكر للدعوة لثورة ثانية، ولا أخفيكم سراً أنني ارتحت لهذا التجاهل، فهذا أفضل من ان ينحاز الوزير بحكم انتمائه الاخواني الى أهله وعشيرته، وهذا الخروج هو على حكم الجماعة، والهتاف الأثير الذي سيردده الثوار وسأردده معهم بعد أن انتهي من كتابة هذه السطور هو: ‘يسقط.. يسقط حكم المرشد’.لست مع إسقاط الرئيس محمد مرسي، فهو مع اختلافنا معه، جاء عبر صندوق الانتخاب، ومن جاء به لا يسقط إلا به، رفعت الأقلام وجفت الصحف، لكن الذين انتخبوا مرسي في الأولى وفي الثانية، وأنا لم انتخبه في هذه ولا في تلك، لم ينتخبوا المرشد، ومكتب الإرشاد، ومجلس شورى الجماعة، ليكون رئيس الدولة المصرية له رئاسة بيدها ‘عقدة النكاح’، والذين انتخبوا مرسي في الأولى كانوا هم أهله وعشيرته، وثلة من المحبين، والذين وقفوا معه في الثانية بالإضافة الى هؤلاء من القوى المدنية، التي وجدت نفسها في مواجهة ‘حارة سد’، عندما جرت الإعادة بينه وبين مرشح النظام القديم الفريق احمد شفيق، ولهذا ارتفعت الأصوات التي حصل عليها محمد مرسي من خمسة ملايين الى ثلاثة عشر مليون صوت.لم أصوت بطبيعة الحال للفريق احمد شفيق، لأنني وجدت انه من العار على الثورة أن تعيد إنتاج النظام القديم من جديد، والرجل لم يكن يمل في أحاديثه التلفزيونية من القول ان مبارك قدوته، وأنه سيعيد جهاز مباحث امن الدولة سيئ الصيت.. وقد كنت اعتبر نجاح مرسي هو نجاح من حيث الشكل للثورة، وان كان بداخلي إحساس أننا يمكن ان نحصل من شفيق على أكثر مما يمكن أن يعطيه مرسي للثورة، لكن نجاح شفيق كان معناه فشلاً من حيث الشكل لهذه الثورة. عندما وصل الفريق شفيق لمرحلة الإعادة، جهر الفلول بالمعصية، وهم يملكون الفضائيات، وكانوا من قبل ينافقون الثورة والثوار، فقد علم كل أناس مشربهم، لكن الفريق سقط، ونجح مرسي بفضل دعم قوى الثورة، التي ظنت ان كلام المرشحين يمكن ان يعول عليه، وقد أعلن ‘الوسيط’ غير النزيه والقيادي بحزب ‘الحرية والعدالة’ محمد البلتاجي، انه سينتقل الى صفوف المعارضة إذا نجح محمد مرسي، فلما نجح تحول الى احد مراكز القوى في البلاد، وانطلق يهاجم القوى المدنية، ويتهمها في وطنيتها، وظل في صفوف الحكم، فمتى صدق القوم في شيء حتى يصدقوا في هذه.الإمام الغائببسقوط الفريق احمد شفيق، تحول عدد من أنصاره الى مبشرين بعودة الإمام الغائب، وباعتباره إمامهم، وقدموه على انه يمكن ان يقوم بالثورة من الخارج كما فعلها الإمام الخميني من قبل، فاتهم إن الرجل ليس زعيماً، وقدراته السياسية محدودة.قبل أيام من الذكرى الثانية لثورتنا المجيدة، استضافت قناة ‘القاهرة والناس’، وهي قناة فلولية بامتياز، الفريق شفيق، وجرى تقديمه على أنه بطل الثورة ومفجرها، بشكل دفعه للقول ‘اننا نجحنا في إسقاط حكم مبارك في 18 يوما’، للتأكيد على سهولة إسقاط حكم مرسي، فأضحك الثكالى، لأنه منذ أن قامت الثورة، والبحث جار عن زعيم لها، ولم أكن أعلم أن هذا الزعيم هو صديق مبارك ‘الأنتيم’.كان شفيق يتحدث من المهجر، ولا اخفي أن حمل الرجل على أن يعيش حياته مطارداً أمر لا تتقبله عاطفتي، ولا استطيع أن اجزم ان سببه فساد أو ما شابه، في وقت يتحدث فيه وزير العدل عن انه يميل للعفو عن مبارك، وان تجاوزات الوزير رشيد محمد رشيد الهارب الى خارج البلاد، لا تمثل انحرافات بالغة، وأن رجل مبارك القوي حسين سالم الهارب أيضاً يمكن التفاوض معه، وفي وقت يتحدث فيه أيضاً وزير الإعلام عن ضرورة المصالحة مع أعضاء وقيادات الحزب الوطني ‘المنحل’، وفي هذه الأجواء المتسامحة فان تعقب احمد شفيق يكون مرده الى أنها الحرب والرأي والمكيدة.ما علينا، فان صح ما ذكره ثوار ماسبيرو، وتأكدنا منه في جولة حرة بين قنوات تلفزيون الريادة الإعلامية، من أن وزير الإعلام أصدر قراراً بتجاهل الذكرى الثانية لثورة يوليو لصار قراراً في محله فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والرجل إخواني قديم، ولو اهتم بتلفزيونه بالأمر فسوف يكون على قاعدة الاهتمام في العام الماضي، وبمناسبة الذكرى السنوية الأولى للثورة التي انطلقت يوم 25 يناير 2011، فقد أعاد التلفزيون الرائد اكتشاف نفسه، وتحدث بنفس النغمة عن دعاة التخريب، والممولين أجنبياً في ميدان التحرير، وان كان لم يتم ذكر وجبات كنتاكي، التي تقدم رشوة أمريكية للثوار، لكن احد شباب الإخوان، عندما جرى حصار قصر الاتحادية مؤخراً شاهدناه عبر احدى القنوات يهتف إنهم يأكلون جبنة ‘نستو’ وباعتبار ان الجبنة ‘النستو’ دليل عمالة، واكلها كاشف عن الخيانة الوطنية.في العام الماضي كان المجلس العسكري والإخوان يداً واحدة، وهما كانا معاً يداً على من سواهم، وكانت الانتخابات البرلمانية قد أجريت، وفاز الإخوان بالأكثرية، فشاهدنا خطاباً متعجرفاً، ذكرنا بزمن المأسوف على شبابه حسني مبارك، ولان الإخوان والعسكر كانوا يريدونها أجواء احتفالية يباح شرعاً ان نرقص على أنغام سعد الصغير: ‘النهاردة فرحي يا جدعان’، ولأن القوى المدنية الاخرى رفعت شعار ‘استكمال الثورة’، فقد كانت الرسالة الإعلامية في تلفزيون البلاد تقوم على تسفيه من خرج على ‘وحدة القوم’.وكنت في برنامج تلفزيوني باحدى قنوات التلفزيون الرسمي وكان على يميني نائب من الإخوان، وعلى يمينه المذيعة، وكان خطابهما واحداً، فقلت لهما لقد ذكرتموني بزمن انس الفقي وزير الإعلام في عهد المخلوع، وتابعه عبد اللطيف المناوي رئيس قطاع الأخبار في زمن الثورة، والأخير كتب مذكراته واعتمد على ان الناس تنسى، فقال ان كل هدفه ان يصنع إعلام الدولة، لا الحزب، وفي الواقع انه هو من وكلت اليه مهمة إعادة ‘اختراع’ جمال مبارك، وهذه هي رسالة التلفزيون في عهده التليد، والذي كان بمثابة الإذاعة الداخلية للحزب الوطني الحاكم.الإخوان وقفوا بجانب العسكر يبررون الاعتداء على المتظاهرين، وعندما وقعت جريمة الاعتداء على متظاهرة، كانت الرسالة الإعلامية الاخوانية تبرر الجريمة تحت عنوان: من الذي قال لها تذهب الى ميدان التحرير؟!فجأة حل البرلمان، وجاءت الرسائل متواترة من داخل العسكر، بأنهم لن يؤدوا التحية العسكرية لمدني، والرسالة واضحة وهي أنهم منحازون للفريق شفيق، وهنا هرول الإخوان الى القوى المدنية يطلبون النجدة ويعتذرون عن مواقفهم السابقة ضد الثوار، ويعتذرون لشهداء شارع محمد محمود الذين قتلوا في الذكرى الأولى للثورة، فلما نجح محمد مرسي، نسوا أنهم طلبوا مساعدة هذه القوى، وكأن مرسي نجح ‘بمجهوده الشخصي ومجهود جماعته’.سلبية التلفزيون أفضل من ايجابيته، لأن ايجابيته ستذكرنا بزمن الكتناكي ‘والجبنة النستو’.’ صحافي من مصر[email protected]