حرب اقتصادية خفية بغطاء سياسي وأمني على قطاع غزة

حجم الخط
2

قطاع غزة، شريط من اليابسة بمساحة 360 كم مربع، ويمتد بحرياً بطول 41 كيلومترا على امتداد الساحل الجنوبي للبحر الابيض المتوسط، ويسكن القطاع نحو مليوني نسمة، موزعين على خمس محافظات وثلثي سكانه من لاجئي عام 1948 مقسمين على اكثر من عشرة مخيمات، وتحيط القطاع سبعة معابر ومداخل تخضع كلها للسيطرة الإسرائيلية، باستثناء معبر رفح الذي يقع على حدود القطاع مع مصر. كما تشير الاحداث التاريخية الى تخلي الانتداب البريطاني عنه عام 1948. وفضلت مصر وفق معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عدم تجديد سلطتها عليه. ومع نهاية عام 2005 انسحبت اسرائيل انسحابا احاديا كاملا، منهية بذلك الحكم العسكري على القطاع لشموله بالحكم الذاتي بموجب اتفاق اوسلو. وفي اطار الصراع الداخلي الفلسطيني سيطرت حماس على القطاع عام 2007، وبذلك رفعت الحكومة الفلسطينية كل التزاماتها تجاه القطاع وسكانه، وفُرضت عليهم القيود، بحيث لا يجوز لاي من ابناء غزة مغادرتها الا من المعبر الوحيد والمغلق «معبر رفح» ولا يصرح لأي من ابناء غزة بدخول اراضي الضفة الغربية؛ كما لا يجوز لهم الدخول او العمل في اسرائيل، وبالمحصلة فإن كافة الدلائل تشير الى ان هنالك اتفاقاً ضمنياً بين كافة الاطراف المعنية والمنظمات الدولية المدجنة على ان قطاع غزة كتلة بشرية مزدحمة ومشبعة بالتزمت والجوع والارهاب والاجرام، ولم يكن مرغوباً به لأي من المجاورين، من الحكومة الإسرائيلية او المصرية او الفلسطينية، ويتم العمل والتعامل معه كسجن مغلق ومحاصر جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً لترسيخ الاستراتيجية إلاسرائيلية، التي تتمحور في الضغط وتعزيز الحصار عليه لزيادة البطالة والفقر وتدمير مقومات الاقتصاد، ولا يستفاد من سكانه الا كمستهلكين لمنتجات الدول المجاورة وأداة عرض وتكسب لجمع المساعدات والاعانات من الدول العربية والاجنبية والمنظمات الانسانية الدولية وتحت اشراف وادارة وهيمنة حكومات الجوار له.
لكل حرب أهداف معلنة واخرى خفية، اما الهجمات الاسرائيلية المتعاقبة على غزة في الأعوام من 2008 وحتى نهاية 2012، فقد استطاعت اسرائيل ومن يدور في فلكها اقناع الشعوب وكسب الرأي العام على انها هجمات تطال الإرهابين والمتشددين لحماية العالم منهم، وحماية أمن اسرائيل من صواريخ القسام، الا ان حرب 2014 على القطاع مختلفة وتتجاوز كافة التعاريف والأعراف، وقد توصف بالحرب المرخصة وماكينة تدمير مبرمجة؛ هدفها تنفيذ مجازر ابادة جماعية وتدمير شامل مبرمج، لا يمكن تبريرها بأي المبررات التي تعّود الجميع على سماعها والمتمثلة بالآتي:
لا يوجد مبرر للقصف الجوي الكثيف واستخدام كافة الاسلحة، ومنها المحرمة دوليا لقطاع لا يمتلك الا البندقية ولا يتجاوز عمقه مرمى المدفعية، ويقدر عرضه بــ12,6 كم، الا هدف وحيد يتمثل بتدمير البنية التحتية للقطاع من شبكة الكهرباء والمياه والاتصالات وضرب الشبكة الطبية والصحية والمدارس وكافة مباني الخدمات العامة.
لا يوجد مبرر لقتل المسيحيين قبل المسلمين، والاطفال قبل الشيوخ، وقتل عائلات كاملة بحجة ملاحــــقة افــــراد مـــن حماس، الا هدف وحيد يتمثل بالحقد البشري والعنصرية الصهيونية لابادة الفلسطينيين وابناء القطاع بدون تمييز.
لا يوجد مبرر للايعاز بإخلاء وإجلاء المدنيين من مساكنهم، وثم هدم ونسف المباني عن بكرة ابيها، الا هدف وحيد يتمثل بتشريد ابناء القطاع وتعزيز فقرهم وتهيئة الاجواء لجمع المساعدات بهدف تحفيز اقتصاديات الحكومات المجاورة، وليس بهدف اعادة اعمار القطاع.
لا يوجد مبرر لغطرسة المجتمع الدولي بمؤسساته وعدم قدرته على حماية الشعب الفلسطيني والغزّيين تحديداً، وكذلك صمت المنظمات الدولية والانسانية وعدم اتخاذ موقف تجاه تطبيق المواثيق والاعراف الدولية والتحقيق والملاحقة الجنائية بحق مجرمي الابادة البشرية، الهدف الوحيد يتمثل بالكيل بمكيالين والاتفاق والموافقة على المشهد الاجرامي.
وما مبرر الموقف الامريكي، ممثلا برئيسها وتصريحاته امام لجنة الشؤون العامة الامريكية الاسرائيلية بدعم الصهاينة ومنحهم القدس عاصمة لهم ومنحهم المال والسلاح للقضاء على الفلسطينيين الا هدف وحيد يتمثل بان لا سلام بعد اليوم وانتهاء مسلسل السلام والتفاوض الساخر.
لا يوجد مبرر للأشقاء العرب، قادة وشعوبا وابناء الثورات، ومن قيل عنهم ابناء الربيع العربي، من طأطأة الرؤوس وكأن شيئا لم يحدث، الا هدف واحد يتمثل بانهم مرتزقة وادوات العصر الجديد لقتل وتخدير ضمير الامة.
لا يوجد مبرر للانفاق الاسرائيلي الحربي على الحرب وخسائر الاقتصاد الاسرائيلي، التي تجاوزت لغاية الان العشرة مليارات دولار، سوى ان هنالك من يعوض الصهاينة ويتحمل تكاليف حربهم مادياً وبمالنا العربي ومن ابناء جلدتنا.
لا يوجد مبرر لوقوف ابناء السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وعلى مرأى أعيـنهم يقتل اشقاؤهم ورفقاء دربهم بدون سبب الا هدف وحيد قد يكون تخليهم عن دورهم النضالي.
لم تعلن اسرائيل او تتعرض على الإطلاق لهدفها الاستراتيجي من وراء حرب الإبادة الهمجية، التي خاضتها ضد ابناء قطاع غزة، المتمثل بالرغبة في السيطرة على حقول ومنابع الغاز المكتشف وغير المكتشف على سواحل غزة، وبعيداً عن السيطرة البحرية الاقليمية الاسرائيلية والمصرية، ويعزز ذلك:
مبادرة خطة كيري وبلير الاقتصادية للاقتصاد الفلسطيني، التي تضمنت تطوير حقول الغاز قبالة شواطئ قطاع غزة والاستفادة من هذه الثروات الطبيعية بالتنسيق المشترك بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي.
وكذلك تلويح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس حكومته ديمتري ميدفيديف بالقبول لتوقيع اتفاق رسمي مع السلطة الفلسطينية للاستثمار في تطوير حقل الغاز الفلسطيني في البحر المتوسط قبالة غزة، وكان الحديث حول الاستثمار بمبلغ مليار دولار لتطوير حقل الغاز الفلسطيني من خلال عملاق الطاقة الروسي شركة «غازبروم». 
بالاضافة للتنقيب الاسرائيلي في البحر المتوسط عن الغاز والنفط واستخراجه بخبرات شركة استرالية وبكميات تجارية، يعوضهم عن خسارة انقطاع الغاز المصري الذي تعتمد عليه اسرائيل لتغطية نحو 16٪ من احتياجها للطاقة.
وقيام السلطة الفلسطينية عـام 2000 بمنح عقد حصري لشراكة بريطانية فلسطينية «60٪ لبريتش غاز و10٪ لصندوق الاستثمار الفلسطيني و30٪ لشركة اتحاد المقاولين CCC» للتنقيب عن الغاز في البحر المتوسط واكتشافه قبالة سواحل قطاع غزة في حقلين في «غزة مارين 1 و2» وضمن المياه الإقليمية الفلسطينية، وفي حينها حدد الخبراء والشركات المتخصصة وفقاً للتقارير والمؤشرات الاولية ان مخزون الغاز المستكشف في بحر غزة بكميات تغطي حاجة القطاع والضفة الغربية وتقدر بنحو يصل الى 30٪ من احتياجات إسرائيل واحتوائها على نسبة عالية من البترول.
وكذلك اتفاق السلطة الفلسطينية على بيع غاز حقلي «غزة مارين 1 و2» للشركة البريطانية مقابل نسبة غير مرضية للسلطة واطلاق اسرائيل حينها للمعيقات وإصرارها على أن تكون المشتري الحصري للغاز وبأسعار متدنية جدا عن الأسعار العالمية ونقله بأنابيب بحرية إلى ميناء عسقلان وليس للتصدير المباشر او إلى نقله للضفة الغربية.
كما ان سيطرة حماس المطلقة على قطاع غزة، واعلانها المؤكد بترجيح اكتشاف الغاز الطبيعي في ساحل القطاع القريب جداً، وعلى بعد لا يتجاوز 200 متر من شواطئها وبكميات يتوقع رفع مؤشر المخزون الفلسطيني لحد قد يتجاوز نسبة 50٪ من احتياجات إسرائيل التي قوبلت بالسخرية والاستهتار والتقليل من شأنها، الا ان حماس وبحركة ذكية وغير متوقعة من الاخرين سارعت لتسوية الصف الفلسطيني والموافقة على المصالحة بين فصائلها، الامر الذي أثار حقد وحفيظة حكومات الجوار للقطاع؛ لان الحلم الاقتصادي الفلسطيني سيصبح حقيقة لاغبار عليه، فقد سارعت اسرائيل الى استخدام سلاح الاقتصاد الحربي، الذي يقوم على اساس الفلسفة الامريكية التي طبقت على افغانستان والعراق وليبيا والسودان وغيرها، المتضمنة سياسة المقاطعة والتدمــــير وبث الفوضى وتشجيع الفساد حتى تحقيق الاهداف المتوخاة. اما هدف الحرب الاسرائيلية على القطاع فانها تتمثل بتحقيق احد الخيارين واحلاهما مر:
الحرق الشامل والتام للقطاع حتى يستسلم ويقف كل ابنائه الى جانب الاسرائيليين في حربهم والقضاء على المارد الحماسي وتسليم مقاليد الامور الى حكومة الضفة الغربية كحكومة شرعية يتم الضغط عليها لتنفيذ الشروط السرية للحكومة الاسرائيلية كما حدث سابقا.
او توافق حماس رسمياً وصراحة بان حكومة الضفة الغربية حكومة شرعية على كافة الاراضي الفلسطينية، بما فيها قطاع غزة، ولها التصرف بالثروات والاستكشاف والتعاقد على البيع الحصري للغاز لاسرائيل وبالسعر الذي تحدده اسرائيل، وايضاً مقابل المواد التي تخضع لسيطرتهم وموافقتهم المسبقة.
وعليه، فان الصراع والحرب على قطاع غزة تتمثل بالحرب الاقتصادية وبغطاء سياسي، ولا ارى في الافق املاً لاكتشاف الكنز الفلسطيني الذي بتقديري سيدر على الاقتصاد الفلسطيني سنوياً ما يزيد عن عشرة مليارات دولار، على شكل عائدات بيع الغاز والنفط والضرائب والرسوم والقيمة الاقتصادية المضافة، وسيبقى هذا الحلم يحيطه الغموض وبدون جدوى اسوة بالثروات الطبيعية الاخرى لفلسطين، نتيجة الآتي: باعتبار ان الطاقة هي ازمة العصر الاقليمي والدولي ومصدر للتحكم وبناء العلاقات الدولية، فان اسرائيل لن تترك المجال للفلسطينيين باكتشافه ووضع الاقتصاد الإسرائيلي تحت رحمة الفلسطينيين، والخشية من استفادة المقاومة الفلسطينية من عائداته، ما لم تكن الهيمنة الكاملة لاسرائيل عليه والسيطرة المطلقة على ما تم اكتشافه او استكشافه.
الطاقة مصدر ذو عائد مجزٍ على الفلسطينيين ومن شأنها قيام ونهضة الاقتصاد وبناء الدولة الفلسطينية ورفع متوسط دخل المواطن الى مستوى ابناء الخليج العربي، وهذا يخالف الاستراتيجية الصهيونية والمتضمنة إضعاف الاقتصاد الفلسطيني وزيادة الضغط على الفلسطينيين بهدف تعظيم الفقر والبطالة التجويع والتشريد وبالنهاية تهجيرهم.
كما ان تحكم إسرائيل بالاقتصاد الفلسطيني بكل مكوناته وبقراراته السيادية وسيطرته الفعلية على المياه الإقليمية التي تفيد «وفق اتفاقية أوسلو عام1993» بضرورة الالتزام ضمن فريق مشترك عن الجانبين في اي مشاريع للتنقيب عن المواد والثروات الطبيعية» سيمكنها من وضع العقبات الدولية أمام أي جهود لاستكشاف او استغلال الغاز وستحول دون تطور وبناء المشروع وتصدير الغاز إلى الأسواق العالمية.
دوام الانشقاق والخلاف بين الفصائل الفلسطينية وعدم وجود حكومة فلسطينية شرعية تمتلك الصلاحية في التفاوض والتعاقد مع الدول وكذلك سيطرة حماس على القطاع وعدم امتلاكها الامكانيات والقدرات والخبرات للاستكشاف وكذلك استحالة سماح إسرائيل او مصر لحماس بالتعاقد او إدخال المعدات اللازمة للاستكشاف.
وهنا، فاننا لا نملك حتى الامل في ان نعيش احراراً في عالم يدعي احتكامه المطلق للعدالة والديمقراطية وتقرير المصير، في حين انهم يكيلون بمكيالين، فمن المسؤول ومن القاتل ومن المتآمر علينا… بحاجة لاجابة الضمير.

٭ كاتب اردني

د. انور العجارمة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية