منذ سيطرة تنظيم القاعدة وحلفائه من الإسلاميين المتطرفين على إقليم أزواد في شمال مالي لم يتوقف النقاش حول السيناريوهات المحتملة للحرب القادمة حرب تحرير وتوحيد أقاليم مالي، البعض حذر من السيناريو الأفغاني، وأعتبره حتمي الوقوع في حال أي تدخل غربي، أما الآن وبعد أن بدأت القوات الفرنسية عملياتها العسكرية ضد هذه الجماعات فقد عاد هؤلاء ليحذرونا بل وليرهبونا مهولين من قوة القاعدة وبسالة مقاتليها وخبرتهم في حرب العصابات ومهددين ومتوعدين فرنسا وحلفائها وجميع دول المنطقة بالوقوع بورطة شبيهة بورطة أفغانستان كما يصفونها.شخصيا لا اتفق مع هؤلاء، وسواء أكانوا محللين محايدين أم متعاطفين مع الإرهابيين فإنني أراهم قد جانبوا الصواب وعقدوا مقارنة مع وجود الفارق، ومما دعاني للاختلاف معهم:أولا- كانت طالبان قبل بداية حربها مع دول التحالف قد حكمت أفغانستان ما يقارب 5 سنوات نسجت خلالها مجموعة من العلاقات مع دول الجوار خاصة باكستان التي انطلقت منها والتي يتواجد بها فرع من الحركة، وإيران التي جمعها بها العداء لأمريكا وقد استفادت من هذه العلاقات الإستراتيجية، بينما توجد الجماعات المتطرفة المسيطرة على شمال مالي حاليا في محيط إقليمي معادي فسواء تعلق الأمر بالجزائر أو موريتانيا أو النيجر فكلها دول إكتوت بنار الإرهاب ولديها مواقف حازمة ضد هذه الجماعات. ثانيا- بدأت الحرب في أفغانستان عام 2001 وحركة طالبان تتمتع بدعم شعبي واسع وخصوصا بعد موقفها الرافض لتسليم أسامة بن لادن للأمريكان، فيما تأتي العمليات العسكرية شمال مالي في جو من التذمر والغضب الشعبي من تصرفات الجماعات المتطرفة المسيطرة على الإقليم خصوصا بعد ما أقدمت عليه من تدمير للأضرحة واعتداء على المقدسات وتطبيق متزمت للشريعة في مجتمع مسلم ومتسامح ومتصوف بالكامل.ثالثا- شكلت قبائل البشتون (ذات الأغلبية السكانية في أفغانستان وذات الامتداد الكبير في باكستان المجاورة) حاضنة قبلية لطالبان وملاذا آمنا لها، على عكس ما عليه الحال في مالي حيث ينحدر أغلب قادة الجماعات المتطرفة من جنسيات أجنبية، فباستثناء قائد جماعة ‘أنصار الدين’ إياد أغ غالي الذي هو من الطوارق، فإن باقي قادة الحركات الأخرى أتوا من الجزائر أو موريتانيا، فعلى سبيل المثال ينحدر قائد حركة التوحيد والجهاد حماده ولد محمد خيرو من موريتانيا، كما أن قادة تنظيم القاعدة وكتيبة الملثمين قد قدموا من الجزائر، وتؤكد بعض المصادر وجود قوي لحركة بوكو حرام النيجيرية.رابعا- من الناحية العسكرية قاتلت طالبان قوات التحالف الدولي بأسلوب حرب العصابات محتمية بتضاريس أفغانستان الوعرة ومختبئة في سلاسلها الجبلية التي تغطيها الثلوج أغلب فصول السنة مما يسهل التخندق والتزود بالمؤن، ومعتمدة على ترسانة كبيرة من الأسلحة ورثتها من أيامها في الحكم ومما قبل ذلك أي فترة الجهاد ضد الروس ( قصة صواريخ ستينغر الأمريكية مثلا) كما يجري الحديث عن المدد الذي يصلها من إيران وباكستان وربما من دول أخرى، كما إن قلة خبرة الجيوش الغربية بهذا النوع من الحروب وجهلها لبيئة وتضاريس ساحة المعركة (أفغانستان) كل ذلك ساعد الحركة على إلحاق خسائر كبيرة بقوات التحالف، بيد أن الوضع في شمال مالي مختلف تماما حيث الصحراء الجرداء تغطي 90′ من مساحة الإقليم وتجعل منه ساحة مكشوفة أمام الطيران العسكري، وحيث المناخ الصحراوي الجاف والحار جدا اغلب أيام السنة يزيد من صعوبة الحياة، أما فيما يتعلق بالتسليح فان الجماعات المتطرفة المسيطرة على الإقليم حاليا – وحسب بعض الخبراء الاستخباراتيين – تعتمد أساسا على بعض أسلحة المشاة الخفيفة، بالإضافة إلي أسلحة خفيفة ومتوسطة تم الحصول عليها من الترسانة الليبية كصاروخ ميلان المضاد للدبابات (الذي باعته فرنسا لنظام القذافي)، أو كتلك التي تم شرائها من مهربي الأسلحة بمداخيل القاعدة من تجارة المخدرات والبشر، ومبالغ فدية الرهائن، كما يحتمل أن يكون لدي هذه الجماعات عدد من الصواريخ أرض- جو (نوع سام-7)، ولكن حتى لو افترضنا ذلك فإن هذا النوع من الأسلحة ونظرا لحساسيته (يتطلب ظروف نقل خاصة وبيئة تخزين ملائمة)، ويحتاج استخدامه إلى تكوين وخبرة قد لا يتوفر عليها أعضاء تلك الجماعات.من جهة أخرى يتمتع الجيش الفرنسي (رأس الحربة) بخبرة واسعة في محاربة المجموعات الإرهابية تحصل عليها على مدى عشر سنوات من الحرب في أفغانستان، كما أن لديه دراية جيدة بالساحة الإفريقية ويمتلك وسائل عسكرية تتماشى مع الطبيعة الصحراوية للمنطقة، وهو الوحيد من بين الجيوش الغربية الذي لديه قواعد عسكرية كثيرة محيطة بمالي (في كل من ساحل العاج، بوركينا فاسو، النيجر، تشاد، السنغال) مما يعني سرعة وفعالية الدعم العسكري عند اللزوم، وستسانده وحدات من الجيوش الإفريقية (وخاصة تشاد التي تمتلك جيشا متمرسا في المعارك الصحراوية)، و يذكر أن الجزء الأكبر من العمليات سيكون في مناطق غير مأهولة بالسكان وبالتالي سيصبح تحديد هوية المتطرفين أمرا سهلا. محمد ولد أحمد ولد دومانqmnqpt