د. عصام نعمان لوّح باراك اوباما في مستهل ولايته الثانية بمقاربة جديدة لمعالجة الازمات المستفحلة في الشرق الاوسط. فعل ذلك من خلال وزير خارجيته الجديد السناتور جون كيري الماثل امام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الاميركي للمصادقة على تعيينه . كيري حرص في شهادته على تبرير اتصالاته السابقة بالرئيس السوري من جهة والإيحاء، من جهة اخرى، بأن الاسس التي اعلنها لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة لا تتعارض مع ما كان يطرحه رئيسه في ولايته الاولى .في المقاربة الجديدة حافظ كيري على مركزية ايران في اهتمامات ادارة اوباما . كيري اكدّ ان واشنطن ‘لا تنتهج سياسة إحتواء حيال ايران، لكن ستمنعها من حيازة السلاح النووي’. ذلك يتطلّب، كحدٍّ ادنى، ‘إلتزام ايران شروط وكالة الطاقة الذرية، وقرارات الامم المتحدة، ومعاهدة عدم الإنتشار النووي، كما يتطلّب رقابة دولية على البرنامج النووي الإيراني’.كلام كيري جاء متزامناً مع تسريبات وتحليلات ديبلوماسية من لندن مفادها ان سلسلة اجتماعات ستتم في المستقبل القريب تنتهي الى قمةٍ بين الرئيسين الاميركي والروسي غايتها الإتفاق على خطوطٍ رئيسية لـِ ‘حل’ الازمة السورية في الشهر المقبل، اضافةً الى البحث في قضايا دولية اخرى كالملف النووي الإيراني، وتسهيل موسكو خروج القوات الاميركية من افغانستان، والدرع الصاروخية الاطلسية في اوروبا .كلمة ‘حل ‘ كان استعملها وزير الخارجية الاميركي السابق هنري كيسنجر بدعوته الولايات المتحدة وروسيا الى ‘التعاون وتحديد اهداف مشتركة للتوصل الى حلٍ في سوريا، وان التعامل الافضل مع الأزمة السورية دولياً من جانب واشنطن وموسكو يكون بعدم جعلها مصدراً لتضارب المصالح الوطنية بينهما’.هل باتت الازمة السورية فعلاً مصدراً لتضارب المصالح بين الدولتين العظميين بحيث يستوجب الامر حلاً معجلاً لها ؟ليس ثمة ما يؤكد ان الازمة في سوريا بلغت مستوى عالياً من الخطورة بين واشنطن وموسكو. ذلك ان ما يتحمّله وضعها الحالي ربما يستوجب تسويةً، وليس حلاً، وان ذلك سيكون له وظيفة معيّنة في سياق المساعي المبذولة لتسوية الخلافات العالقة بين الولايات المتحدة وايران حول برنامجها النووي.هذا التقدير للوضع السوري وما تعتزم واشنطن القيام به حياله تبدّت ملامحه في ما قاله كيري امام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، وفي ما قاله او فعله غيره حيال سوريا في الآونة الاخيرة.كيري استنكف عن استخدام الكلمات القاطعة التي كان يستخدمها اوباما ووزيرة خارجيته السابقة هيلاري كلينتون حول ‘فقدان الاسد شرعيته’، و’ان ايامه باتت معدودة’. لكنه حرص على القول ‘إنه (الاسد) إتخذ قرارات خاطئة وغير مبررة وعليه الرحيل، وان على الولايات المتحدة ان تغيّر في حسابات الاسد لتمهّد للمرحلة الإنتقالية’، لافتاً الى ان مسؤولين روساً بدأوا يدركون ‘مسار العملية وتقدّم المعارضة، وهي (روسيا) أجْلَت رعاياها من سوريا’.كلام كيري يوحي بأن واشنطن ليست بعد في صدد تقبّل دورٍ للأسد في المرحلة الإنتقالية، وانها ما زالت تعتقد ان المعارضة السورية المسلحة تتقدم، وان موسكو ربما اضطرت الى إجلاء رعاياها عن سوريا بسبب ذلك . والحال ان تقارير اخرى مصدرها سوريا، كما وزارة الخارجية الفرنسية، توحي بأن الجيش السوري يتقدم، وان موسكو أوضحت أنها لم تُجلِ كل رعاياها من سوريا وانما بعض الراغبين في ذلك في منطقة دمشق وريفها وحسب.ما الإجراءات الجاري بحثها في إطار التسوية المرتقبة للأزمة السورية؟.يتضح من تسريبات مصدرها ديبلوماسيون اميركيون وروس في الأمم المتحدة انه اذا ما توصل اوباما وبوتين الى اتفاق حول اسس تسوية الازمة، فإن ذلك سيُترَجَم بمشروع قرار يصدر عن مجلس الامن بموجب الفصل السادس ويتضمن نشر قوات سلام دولية . وكانت الامانة العامة للأمم المتحدة طلبت من بعض الدول البحث في استعدادها للمشاركة في هذه القوات عندما تتوفر الظروف لذلك.نائب وزير الخارجية الروسي غيادي غاتيلوف اعتبر ان ارسال قوات حفظ سلام دولية الى سوريا ‘يتطلب موافقة اطراف النزاع’، وان ذلك يتقرر في ضوء ‘الوضع الميداني العام’. غير انه حرص على التوضيح بأن ‘الوضع الراهن لا يسمح بإرسال مراقبين دوليين او اية قوات سلام دولية الى هناك’.ديبلوماسيون في مجلس الامن شاطروا غاتيلوف رأيه بقولهم ‘إن الجمود السياسي والديبلوماسي مرجّح ان يستمر، والتطورات الميدانية هي ما سيحسم اتجاه الاحداث’.وزير خارجية فرنسا لوران فابيوس لا يبدو بعيداً عن التقديرات السالفة الذكر. قال إنه لا توجد مؤشرات على ان الازمة السورية في طريقها الى الحل قريباً. ذلك ان ‘الامور لا تتحرك والحل الذي كنا نأمل فيه، اعني سقوط الاسد ووصول الأئتلاف الى السلطة، لم يحدث’. وكان فابيوس توقع الشهر الماضي بأن ‘نهاية الاسد قد اقتربت’.لعل وقائع الوضع الميداني هي الدافع الرئيس الى تراجع فابيوس، وغيره، عن توقعاته . فقد تمكّن الجيش السوري من تحقيق تقدم محسوس في وجه المعارضة المسلحة في مناطق عدة. غير ان المعارضة ما زالت ناشطة، وقد نجحت مؤخراً في تدمير مقر فرع الامن العسكري السوري في سعسع على مقربة من خطوط وقف اطلاق النار على جبهة الجولان المحتل . ذلك فتح باب التكهنات واسعاً حول مغزى هذه العملية في منطقـة بالغـة الحساسية بالنسبة لسوريا كما لـِ ‘اسرائيل’، وما اذا كانت لها علاقة بالزيارة المرتقبة التي سيقوم بها كيري الى ‘اسرائيل’ والى مناطق السلطة الفلسطينية .كيري كان اعرب في الكونغرس عن امله بأن تتيح نتائج الإنتخابات الإسرائيلية العامة إمكان إستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، مضيفاً ان الفشل في تحريك المفاوضات بين ‘اسرائيل’ والفلسطينيين من شأنه ان يغلق الباب بصورة نهائية امام ‘حل الدولتين’. ولعل كيري لفته ان زعيم حزب ‘هناك مستقبل’ الوسطي يائير لبيد، الساعي للتعاون مع بنيامين نتنياهو في تشكيل الحكومة الجديدة، كان سلبياً تجاه الفلسطينيين برفضه وقف الإستيطان او بقبول الأحزاب العربية في إئتلافٍ أحزاب الوسط واليسار في الكنيست، المقترح من جانب زعيمة حزب ‘الحركة’ سيبي ليفني.من مجمل ما تقدّم يتضح ان التطورات الميدانية والسياسية في معظم دول المنطقة، ولا سيما تلك التي تشهد حراكات شعبية وعمليات قتاليـة، ما زالت تتفاعل، وان ما من شيء يشير الى ان ثمة ضــــوءاً في نهايات انفاق الازمات المستفحلة . هذا الإستنتاج يعزّز الإعتقاد السائد لدى عواصم القرار كما في كواليس مجلس الامن بأن ما يستطيعه اوباما في هذه المرحلة يكاد ينحصر في فتح الباب امام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتعاون معه في ادارة الازمة السورية من دون اية إلتزامات مسبقة….وخلال ادارة الازمة، يستمر النزف والإستنزاف بلا هوادة .’ كاتب لبنانيqmdqpt