اللاسامية حليف الصهيونية الدائم

قبل بضعة أعوام تواترت الأنباء عن تزايد أعداد اليهود الذين أخذوا يهاجرون، ليس إلى فلسطين بل إلى بلدانهم وبلدان آبائهم الأصلية في أوروبا وأمريكا. وكان لظاهرة الهجرة الإسرائيلية المعاكسة هذه سببان أساسيان. أولا،»العنف وانعدام الأمن». وثانيا، البطالة وغلاء المعيشة وتبدد آمال الرفاه والرعاية الاجتماعية الضامنة للثقة في المستقبل. وقد كانت تلك مناسبة لاهتمام الصحافة الجادة، في فرنسا على الأقل، بقضية هامة هي انتهاء الحلم الصهيوني وانسداد آفاق المجتمع الإسرائيلي.
المفترض منطقيا الآن أن «انعدام الأمن» الناجم عن العدوان الإسرائيلي الهمجي على غزة، بما فيه من مجازر مغولية دالة على سبق الإصرار وعلى الكراهية المرضية التي لا تعترف للفلسطيني بصفة الإنسانية، سوف يؤدي إلى تنامي هذه الهجرة الإسرائيلية المعاكسة. إلا أن الحاصل هو النقيض تماما: فقد تزايدت أعداد اليهود الأوروبيين الذين قرروا الهجرة إلى دولة إسرائيل. وإذا كانت الصحافة الأمريكية، ممثلة في مجلة نيوزويك، لم تتناول المسألة إلا هذا الأسبوع، فإن الصحافة الفرنسية قد بدأت في تناولها منذ شهور، وتبين من تغطيتها المكثفة في الأسبوعين الماضيين أن ما لا يقل عن أربعة آلاف يهودي فرنسي قد هاجروا إلى دولة إسرائيل منذ بداية هذا العام وأن المتوقع أن يصل العدد الإجمالي بنهاية العام إلى خمسة آلاف. التفصيل الهام هو أن معظم من يغادرون فرنسا وبلجيكا هم من اليهود المتدينين.
أما السبب الأول لهذه الهجرة فهو العلّة القديمة ذاتها: اللاسامية. وقد يقول قائل: «أفما يزال هناك حقا من يردد هذه المعزوفة؟ وإذا حصل، فهل هناك اليوم من يصدقها؟!» صحيح أن اللوبي الصهيوني دأب منذ عقود على إطلاق تهمة اللاسامية جزافا كلما وقع أي انتقاد لإسرائيل، وصحيح أن من شبه المستحيل عقد نقاش ديمقراطي بشأن إسرائيل في أوروبا (ناهيك عن أمريكا التي تكاد تنعدم فيها حرية التعبير في هذا الشأن) بسبب استسهال الصهاينة للحل «البافلوفي» الناجز المتمثل في استخدام اللاسامية فزاعة لتخويف كل صاحب رأي حر ولإنهاء النقاش قبل أن يبدأ. كل هذا صحيح. ولكنه لا يعني أن اللاسامية أسطورة من نسج الخيال الصهيوني أو اليهودي. بل إن الحقيقة التي لا مراء فيها أنه لا يزال هنالك في معظم بلدان أوروبا أوساط اجتماعية تكنّ بغضا دفينا لليهود وتحيزا متوارثا ضدهم.
ولهذا فإنه يبدو، بقدر ما يتعلق الأمر باسترجاع الحق العربي في فلسطين، أننا لن نجني من أوروبا اللاسامية هذه شيئا، سيّان أن تكون معنا أم علينا! إذ حين لم يكن عند الأوروبيين أي اكتراث بشعوبنا، صدّروا لنا معظم مواطنيهم اليهود وهيأوا الأسباب لخروج دولة إسرائيل من العدم التاريخي وظاهروا على إنشائها وإبقائها وتأبيدها. أما اليوم وقد صار عندهم وعي بجنوح إسرائيل الدائم نحو الإجرام المغولي واقتناع بوجوب منح الفلسطينيين دولة لها مقومات الحياة، فإنهم ما لبثوا أن عاودتهم هاتيك الشياطين العنصرية التي كانت الصهيونية قد بررت بها، في المقام الأول، ضرورة إنشاء دولة لليهود.
وقد كانت الصحافة الفرنسية دقيقة في التوضيح بأن المظاهرات الكثيرة التي نظمت في بلدان مثل فرنسا وبلجيكا وبريطانيا للتعبير عن التضامن مع فلسطين قد مرت بسلام ولم تكن سوى دليل على انقلاب موقف الرأي العام الأوروبي من إسرائيل ووجوب استخلاص الحكومات العبرة من ذلك. إلا أن ما شوه هذا التطور في موقف المجتمعات المدنية هو أن عددا من الشبان الأوروبيين، معظمهم من أصول عربية وإفريقية، قد ارتكبوا أعمالا مشينة من قبيل إحراق محال تجارية يهودية أو تدنيس مقابر وإطلاق هتافات عنصرية ضد اليهود.
نتيجة هذه الانحرافات الهوجاء هي الوقوع في متاهة لعبة يتقن اللوبي الصهيوني أصولها بكل جدارة. ذلك أن اللاسامية هي الحليف الموضوعي للدعاية الصهيونية القائلة بأنه كلما لاحت أزمة في الأفق، فلك أن تراهن أن أوروبا سوف تتألب فورا على يهودها. وهذا يساوي، في حد ذاته، أقوى دعم لموقف الصهيونية الجوهري: بما أن أوروبا لن تقبل أبدا بدمج مواطنيها اليهود مهما بذلوا وأنّى فعلوا، فإنه لا أمان لهم إلا في كنف دولة خاصة بهم وقف عليهم، أي دولة يهودية حصرا.
وهكذا، طالما بقيت اللاسامية تفعل فعلها في الوعي الأوروبي، فإن تعاطف المجتمعات المدنية الأوروبية مع الفلسطينيين (أو تقززها من الإجرام الإسرائيلي) سوف يبقى يصب في خدمة الغايات الصهيونية، لا العكس. وهذا تعقيد جديد تضيفه أوروبا اليوم، من حيث لا تقصد، لقضية هي المسؤولة الأصلية عن منشئها الذرائعي وتحولاتها التراجيدية.

مالك التريكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية