أسامة كمالفي طفولتنا لم نكن نعرف فارقاً بين المتصوفة والسلفيين، ولم نكن ندري شيئاً عن الشيعة أو التشيع، بل لم نكن نعرف مفهوماً واضحاً عن أهل السنة والجماعة، فقط كنا نحتفل ببراءة قلوبنا الصغيرة بالمولد النبوي الشريف .. فاجأتني عرائس وأحصنة المولد النبوي، نادتني من غياب الشوارع إلى حضورها اللافت على إحدى العربات المُجاورة لمحل من أشهر محلات الحلوى في مصر كلها، نادتني بزينتها وألوانها وكأنها تنادي على طفولتي البعيدة، ذهبت إليها مدفوعاً بالدهشة الساكنة داخلي، ومجذوباً الى ألوانها البهيجة والناصعة نصّاعة علب ألوان طفولتي الخشبية والشمعية التي لونت بها رسوماتي في كراسات الرسم القديمة، ومنها عروسة المولد الحاضرة في سماء طفولتنا كأيقونة محبة دائمة ومتجددة .. ..محمد الكرداوي، صاحب عربة عرائس المولد مواليد عام 1985 حاصل على دبلوم المدارس الصناعية، يعمل كبائع متجول لمنتجات مختلفة أهمها الأغذية والأدوات المنزلية، يستقطع من العام إثني عشر يوماً لبيع حلوى المولد، تبدأ مع رؤية هلال شهر ربيع الأول وحتى الثاني عشر منه الموافق لمولد الرسول الكريم، وتعود علاقته بحلوى المولد الى والده وجده ‘الحلوانية’ اللذين لم يعرفا مهنة غيرها، وبضاعته من العرائس والأحصنة إنتاج معمل والده .. يقول محمد : لم أكن يوماً ‘حلوانياً’ وعلاقتي بالحلوى علاقة موسمية تنتهي بنهاية المُولد، في صباي عملت كبائع متجول لحلوى الأطفال ‘السمسمية، ‘والفُولية، والحُمصية، والعسلية، والكرملة، والملبن’، ولم أستمر بسبب غلاء الخامات وعزوف الأطفال عن شراء الحلوى من الباعة المتجولين وتفضيلهم لحلويات الأكشاك الخشبية الصغيرة والمحلات، فلجأت مضطراً إلى بيع بضائع أخرى رائجة، كل الطبقات تشتري مني عرائس وأحصنة المولد، لأن أسعارها متفاوتة وتبدأ العروسة من خمسة عشر جنيهاً وحتى ستين جنيهاً ومثلها الحصان من ثمانية جنيهات وحتى أربعين جنيهاً وذلك حسب حجم العروسة أو الحصان، وجميع المشترين يعتبرون العرائس والأحصنة عادة سنوية لا مفر منها – وربنا ما يقطعها عادة -، وكل سنة تقل نسبة المبيعات بشكل واضح بسبب الغلاء الذي طال كل شيء .. غادرت ‘الكردواي’ الصغير قاصداً والده في معمله، غادرته متيقناً أنه مجرد عابر في مهنة عابرة، مثله مثل آلاف الشباب في مصر، الذين يتنقلون في المهن المختلفة مثلما يتنقلون بين الشوارع، فالحرص على المهنة والاستمرار فيها لم يعد موجوداً في مصر، قديما كان ‘للحلوانية’ سمات وصفات مشتركة في كل المدن والمحافظات المصرية وكانت مهنتهم دليلاً عليهم ومدخلاً اليهم، الآن معظم ‘الحلوانية’ موسميين مثلهم مثل فصول السنة الأربعة … في طريقي لمعمل الأب ‘جمال الكردواي’، تنقلت بين الشوارع الشعبية لأتنسم رائحة ‘المُولد’ كما تعودتها في طفولتي، لأتنسم رائحة تجمع بين الايمان والبهجة والحب والأمل، رائحة تتجلى في العيون مثلما تتجلى في السماء التي نزل منها الوحي على رسولنا الكريم، لاحظت أن العيون حيّرى، وفي حدقاتها تتجول الأسئلة عن الغد المبهم والغامض، فالثورة لم تحط بعد على مستقر لها، والحلم الذي بدأ باتساع الكون تضاءل حتى خبا، والربيع العربي تحول الى شتاء مرير وصعب .. ومن شارع الى شارع وصلت الى ‘الكردواي الأب’ مواليد عام 1959 – الذي وجدته بين مساعديه عاكفاً على صنع عرائسه، وحدثني عن عرائس الحلوى حديث السنين قائلاً : توارثت المهنة عن والدي، توارثتها وقت رواجها، في المولد لم أكن أكتفي بصنع العرائس والأحصنة فقط، في معملي ذلك صنعت من السكر والحلوى ‘ جمالاً وسفناً ودبابات وطائرات، وقتما كان الاحتفال بالمولد احتفالاً شعبياً مصرياً عاماً تنتشر فيه الزينات والأعلام في كل مكان، وتتحلق حلقات الذكر في كافة الزوايا والأركان مسبحةً بالعلي الكريم ومصليةً على الرسول عليه الصلاة والسلام . وصناعة عروسة المولد تمر بمراحل عدة، تبدأ بعمل قوالب خشبية ذات أوزان مختلفة، وتُقطع الأخشاب على شكل متواز مستطيلات حسب حجم العروسة وتُشق إلى نصفين بطولين متوازيين، على أحدهما النصف الأمامي للعروسة، وعلى الآخر النصف الخلفي لها، ثم يُصب السكر داخل القالب، وتُربط كل القوالب الخشبية مع بعضها بخيط من الكتان وتُغمر بالماء حتى يتخلل الماء كل مسامها ولا يلتصق بها السكر، كذلك لتنخفض درجة حرارة القالب ويتجمد السكر داخله، ثم تُنقل القوالب الخشبية الى لوح من الزنج وتُرص وطرفها المفتوح المفرغ لأعلى، أثناء ذلك يُوضع مقدار من السكر مع مقدار مناسب من الماء في اناء نحاسي على الموقد ويُضاف اليهما قطعة من الخميرة وملح الليمون أوعرق حلاوة، وتُضرب جيداً حتى يصير لونها أبيض، بعدها يُصب السكر في القوالب المرصوصة على قالب الزنك، وبعد عشرة دقائق يتجمد السكر وتُخرج العروسة كاملة من القالب الخشبي، قبل تزيينها بالجيبونة والفستان والماكياج والمراوح والورد .. وعروسة المولد ليست مجرد عروسة عادية، عروسة المولد حالة احتفال شعبية واحتفاء دينية استمرت ما يزيد عن الألف عام، بدأها المعز لدين الله الفاطمي، أول خلفاء الدولة الفاطمية في مصر، ورسّخ لها المظفر أبو سعيد بن زين الدين كوكبري صاحب مدينة أربل وأحد أمرء الدولة الأيوبية، وطوال تلك الرحلة الطويلة لم تغب العروسة عن الذاكرة المصرية واستقرت في وعي المصريين، مثلها مثل المولد النبوي الذي تولد منه 2850 مولداً مصرياً لآل البيت وأولياء الله الصالحين مثل موالد : الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة والسيدة عائشة في القاهرة، ومولد أحمد البدوي في طنطا، وإبراهيم الدسوقي في مدينة دسوق، وعبد الرحيم القنائي في قنا، وأبو الحجاج الأقصري في الأقصر، وأبو العباس المرسي وسيدي جابر في الأسكندرية .. وعلى عكس ما يرى الكثيرون بأن الموالد بدعة فاطمية أراها عادة مصرية خالصة، ودليل ذلك موالد الأقباط المصريين : مولد السيدة مريم العذراء والشهيد ماري جرجس في القاهرة وكفر الدّوار، وميت دمسيس، والقديسة دميانة بمحافظة الدقهلية، ومار مينا بالصحراء الغربية، وأكد يقيني لقائي بالأستاذ فوزي نصر سمعان، القبطي السبعيني العمر، الذي قال لي انه لا يجد أي اختلاف بين الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ومولد السيد العذراء، أوالإحتفاء بمولد ماري جرجس ومولد أحمد البدوي أو ابراهيم الدسوقي، فالمحتفلون هنا أو هناك مصريون، وكل طقوس الاحتفال واحدة، لأن المصريين لم يكونوا يوماً مقلدين لأحد أو تابعين لأحد، المصريون هضموا كل الثقافات التي دخلت اليهم وأفرزوا ثقافة خاصة بهم، المصريون أضافوا للديانة المسيحية الرهبنة، وأعطوا للدين الاسلامي بهجة انسانية مصرية تجلت في قراءتهم الفريدة المختلفة للقرآن الكريم وفي تواشيحهم الدينية البديعة، المصريون دينهم الأبدي المحبة والتسامح بين البشر، ولا يغرنك كل ما نشهده حالياً من دعاوى التشدد الديني الغريب على المصريين ..مع كلام ‘سمعان’ شعرت ببهجة داخلية إرتوت بومضات الاحتفاء الواهنة بالمولد الكريم، وبرؤية العين لأكثر من أربعين صنفاً من الحلوى في محال الحلويات المختلفة، يقيناً ليس الاحتفاء بالحلوى وأصنافها لكن بالبهجة الإنسانية المجردة من اي شيء.qadqpt