التِـبــاس

حجم الخط
0

بلقيس الكركي’قلبٌ تمرّسَ باللذّاتِ وهو فتىً / كبُرعُمٍ لَمَسَتْهُ الريحُ فانفتحـــا’ (بشارة الخوري(‘تَمَرَّستُ بِالآفاتِ حَتّى تَرَكتُها / تَقولُ أَماتَ المَوتُ أَم ذُعِرَ الذُعرُ’ (المتنبـــّي(اللذّات أحياناً آفات، في جهةٍ منها أو جِهات، والعكس. الالتباس، حين يشتدّ، قد يترك القلبَ المتمرِّغَ فيه، وفيهما، كبرعمٍ ضربتْهُ الريحُ: فانسَحقا.الأشياء، خلال التمرّسِ بها وبكذب الكلمات، تكون على ريحٍ تستجدي، بائسةً، الأوصاف والأسباب، بأفكار أو مجازات هي وقتَ السحقِ محض مخدّرات أو مسكّنات. لا بدّ منها، فالعقل عند الالتباس، يحُيل جسمَه إلى ما يشبه أصلَه البدائيّ: إلى ‘حيوان البَرّ’ ذاك، ‘إِذا ضَرَبَتهُ الريحُ ماجَ كأنَّه..’. هو لم يصِل بعدُ إلى تمرّس المتنبّي، ولذلك يبقى فيه ذعرٌ حيوانيّ من مزاج الريح، وقد يبقى كذلك رغم أوهام التمرّس، فكراً وحياة، بما قد يهبُّ بعد النسيم، أو معه، من عواصف العلاّت واللعنات.لقد تمرّغ المتنبّي بآفات البشريّ الذي فيه. السلطة، حتّى بأسخف معانيها، هي كالعشق بأوضح معانيه: هوىً في النفس، للذّته آفات، ولا بدّ أنّه عرف ذُلّ الالتباس. لكنّه تمرّس وتمرّد فكتب عمّا يبدو أنّه ‘كان’ فيه وبقي في سواه غير المتمرّس: ‘مِمّا أَضَرَّ بِأَهلِ العِشقِ أَنَّهُمُ/ هَوُوا وَما عَرَفوا الدُنيا وَما فَطِنوا’. ما عرفوا. أمّا هو الآن: ‘وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ’؛ ‘وقَد يَتزيّـا بالهَوى غيرُ أَهلِه’؛ ‘وَما اِستَغرَبَت عَيني فِراقاً رَأَيتُهُ/ وَلا عَلَّمَتني غَيرَ ما القَلبُ عالِمُه’. ربّما لن نعرف أبداً إذا ما كتب عن الحمّى، وهي من لذيذ الآفات، وهو متمرّغ في القلق والأرق والعَرق، أم بعد أن هدأت العاصفة واندملت قليلاً جراحُ مجرّحٍ ‘لم يبقَ فيه مكانٌ للسيوفِ ولا السهام’.***تهدأ العاصفة، وتُروَّض العاطفة، ولو إلى حينِ ريح أخرى ستجيء. قلبٌ متمرّسٌ، وجسمٌ متمرّغٌ، وعقلٌ متمرّد. ما الذي سيبقى من البرعم المسحوق؟سمادٌ في بقايا تربةٍ، ماؤها السراب، وضوؤها وَهْمُ البرعم المفتوح. هكذا يولد الجَمال، أو بعضه، والحكمة، أو بعضها: من واقفٍ على أطلال نَفسٍ تمرّغت، وتمرّست، وتمرّدت..’ وُقوفَ شَحيحٍ ضاعَ في التَربِ خاتَمُه’.لولا هذا الوقوف، بعد ريح الالتباس، لما كتبوا: عن نفسٍ لذّتُها ‘فيما النفوسُ تراهُ غايةَ الألمِ’؛ تقّلبَتْ على عينِها الدنيا فرأت ‘صِدقَها كذبا’؛ لا تداوى إلاّ ‘بالّتي كانت هَي الداءُ’؛ وعن ‘حُزنٍ أشدّ التباساً على النفس من فرح البنت في عُرسِها’؛ وعن أزهار ‘تضاحكت ببكائها وتبشّرت بقطوبِها’؛ وعمّن ‘يبكي ويضحك لا حُزناً ولا فرحاً/ كعاشقٍ خطّ سطراً في الهوى ومحا’…***أقصى اللذّة، كما في كلّ دو ساد، وعند بعض من زاغوا عن إرث الإغريق، هو أقصى الألم. الجسد، مهما صَدح العقل بالوجود، قد يشتهي العدم. ما أجمل الفكرة، وحدها، وما أبشع التجربة. والمسؤول عن الاثنتين هو عقلٌ تمرّد حتّى على نفسه، ويأبى أن يفقأ عينيه. بعض الذين جرّبوا مع سادْ فكرتَه في قصر لاكوست، وهم دونه فِكراً، لم يحتملوا الألم وهربوا سريعاً بل حاولوا قتله، أمّا هو، فتمرّغ وتمرّس وتمرّد. جعل أبطاله يأكلون فضلات البشر، حرفيّاً، في سبيل دفعِ شيءٍ ما، يسمّى لذّة، نحو أقصاه. عرفوا نشوة بِطَعم ما أكلوا: لا الرائحة منعت النشوة، ولا النشوةُ قتلت الرائحة. يا لذعر الالتباس. الآفة هي أن تعلق الرائحة بشعيرات الروح وإن غُمسَت بماء الورد، كما علِقت ببطل ‘تلك الرائحة’ لصنع الله إبراهيم بعد أن خرج من السجن وعاد إلى الصابون والنقاء والبياض.العزاء، استعاريّاً، هو أنّ للورد رائحةً غير السماد والطين. الحلمُ دائماً مقتصر على اللذّات، صافيةٍ كشمّ الورد، إلاّ إذا تلبّسَت هذه أيضاً بالذكريات. ربّما الصفاء حقّا ًخرافة، وربمّا كلّ الورد، شعراً وموسيقى ورسماً وفلسفة، مهما تلوّن واختلف، هو كلّه محض لِباس للالتباس. ‘وكن رحيماً حين تجرحني وتبزُغُ من شراييني الورودُ’: هكذا قال متمرّس آخر جرّحته الريح، فأوجعه الملح والوريد. ‘من أيّ ريحٍ جئتِ؟ قولي ما اسم جُرحِك…’. كم صعبٌ أن تجدَ اسم الجرح. لكن ليس من الحرف، والكلمة، والفكرة، والاستعارة بدّ، مهما فشلَت في فكّ الالتباس. هي ما يروي فتاتَ البرعم المسحوق، إذ يغتذي ‘ريحَ الموامي’ ويكفيه ‘من الماء السرابُ’. الأشياء والكلمات: ريحٌ تغتذي ريحاً، وسرابٌ يغذّي سراباً. ‘لولاه، لولا السراب، لما واصل السيرَ بحثاً عن الماء’. لا، ليس الماء. نتركه و’نساري النجمَ في الظُّلَمِ’. ‘حتّامَ’؟ صرخ المتنبّي، فانسحقت وانفتحت براعم كثيرة، حسب تمرّسها بالالتباس. لولا الأخير، لما كان المطلع: ‘أُغالِبُ فيكَ الشَوقَ وَالشَوقُ أَغلَبُ/ وَأَعجَبُ مِن ذا الهَجرِ وَالوَصلُ أَعجَبُ’؛ مطلعٌ نثر به غبار الطلْع، فطَلع علينا الورد، جميلاً حكيماً، من ثنيّات اللَّبس والالتباس.*كاتبة من الاردنqadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية