‘د. عايدة النجارالشيخ غا لب يمسك يد حفيده أحمد ابن العاشرة يعتصرها بحب، امتنانا على تعزيز اتكائه على عصاه ..الشيخ والولد يسلكان طريقا وعرة تنمو فيها أشواك الخرفيش التي تعكر صفو الهندبة والخبيزة والزعتر الخائفة من الشوك المجنون الذي يلبس طاقية ليلكية . يتسلقان تلة تشرف’على مستوطنة كفار عتسيون الزراعية، المقضومة من أراضي بيت أمّرالخليلية.’وقف الشيخ مرارا ليخرج زفيرا ممزوجا بالألم يحكي قصة الرحيل.-‘ياللاّ ياسيدي وصلنا رأس التلة، أقعد يا سيدي لتستريح.’الشيخ يقول :’هناك الدار وسط الكرم، حولوها لكنيس والطريق اليها غير امنة. الحاخام المستوطن يحمل سلاحا، يلبس الثوب والبرنيطة السوداء والسوالف متدلية من الجهتين. استلقى الشيخ وتدثر بالهواء القادم للترحيب بالمالك بعد سنين. أخذته غفوة حملته الى البيت العتيق . رأى في حلمه ندية والكرم مهر العروس وعناقيد العنب الذهبية يغني لها خليلي يا عنب، ويرشف العسل مع الحبيبة.تسلل الولد الى بطن التلة ولم تش به أشجار الكرمة ولا القطوف الدانية.عاد بلهفة يحمل عنقودين من اللؤلؤ الأبيض والأسود. هز الشيخ وأيقظه من حلمه العميق:- سيدي .. سيدي .. أحضرت لك هدية من كرمنا .. أحضرت لك هدية .’قهقه الشيخ وصاح :هل أنا في حقيقة أم منام ؟خليلي يا عنب .. خليلي ياعنب ..دمعة سعد’ ‘لم تر أم سعد دمعة ولدها الأسير ابن العشرين. مسحها خفية وخجل أن تراها في أول زيارة بعد خمسة أعوام. استلم ‘ طنجرة ‘ المقلوبة بالباذنجان التي كان يحلم بطعم منسيّ. تكلم كلمات متقطعة من لسان معقود من الحرمان . شكى من ظلم السجّان لحبسه في الظلام وابعاد الشمس والهواء والأحلام في عسقلان.سلّمته الأم الأشواق من الأعمام والأخوال وأهل الحارة ومن معلم المدرسة إحسان الذي يرسل السلام.’وحكت له عن جدار الجلاّد وقطع أوصال المكان .حكت له عن هدم المدرسة وحبس أحمد وسعيد وبلال. وأخبرته أن أصدقاءه رشقوا العسكر بالحجارة والمقلاع بعد حرق الكتب قبل يوم الامتحان.’مضى وقت الزيارة وسعد متردد من السؤال. ثم قال :- أين أبي لماذا لم يحمل عنكِ هذا الطعام ؟قالت الأم :- مرض ومات قبل شهرين وهو يدعو لك بالفرج والحرية من قهر السجّان .’عاد وسأل :’- وكيف أخي يعقوب هل عاد من الخليج وحر الصيف الشديد ؟’قالت :- عاد وهو مريض من ضربة شمس وصلت الذاكرة ويعيش في حالة نسيان .وسأل :- وكيف سوسن بنت الجيران ؟قالت:- تزوجت ورحلت من الجيرة للبعيد حاملة الذكريات.’أجهش بالبكاء….. مسحت الأم دمعته وأدار ظهره وتوقف عن السؤال … !صبر أبو سليم’يقف أبو سليم، مع عربته الخشبية المدججة بالشوك في زاوية معبر مخيم قلنديا قرب الحاجز بين القدس ورام الله.المكان محجوز له في موسم الصبر منذ سنين. يتفيأ بشمسية سوداء تقيه شر الشمس الصفراء التي يحاول التصالح معها.’أصبح صوته مألوفا وهو ينادي:- الصبر طيب …. الصبر طيب !لا يمل من سلخ جلد الصبر بأصابعه الخشنة الجريئة التي تتحدى الشوك. لا يخفف ألم اللسعات إلا إعادة النداء بنفس النغمة.’- الصبر طيب . …الصبر طيب !”طابور عائدين من الغربة ينتظر. رجل رزين يتحلى بشعر أبيض يطلب :- عشرين حبة ‘هندي’كما تعلمه في تونس قبل العودة.- عشر حبات ‘تين أبو شوكة’.يطلب اخر، حيث تعلم الاسم في مصر.’-عشر حبات صبار برتقالية حلوة كما يحبها والدي من اللد .. – دزينة لجدي الذي فقد إحدى عينيه في حاكورة الصبر في رفح.’انتهت عملية السلخ وارتفع صوته من جديد والدموع واللسعات تشق عروق قلبه . غيّر النداء وصاح :’- للصبر حدود …للصبر حدود .. !’صيحة المقابر’سمع أهل حيفا صوتا متقطعا يرتفع من (مقبرة الشيخ) المحاذية للمدينة. – من الذي يعتدي على غفوتي ؟ .أنا عز الدين القسام زعيم ثورة الفلاحين المهمشين . نمت وصحبي على زغاريد النساء وأهازيج الشباب . قال مشيعونا أننا شهداء و لسنا ‘ أشقياء ‘كما قال الاعداء.’ماالخطب ؟ سأل الشيخ ؟’ردت عليه أصوات مخنوقة يعيق وصولها صوت جرافات تحفرالقبور :- نحن هنا في (مقبرة الطيرة ) مثلكم خائفون من بناء سكة حديد فوق رؤوسنا تقبر المقبرة. إنهم ينثرون عظام الأجداد ويقتلعونهم من باطن الأرض والطين.’وفي خضم تبادل الحكايات جاءت أصوات من بعيد :- نحن النائمين في (مقبرة ماميلا) في القدس منذ الاف السنين، نشكو من وجع خلخلة عظامنا وقلعنا من الطين. نحن رفات 70 ألفا من جنود صلاح الدين محرر القدس للعرب والمسلمين .’عظامنا تحشر في الصناديق ولا نعرف أين المصير للحرق أم للتخزين .؟ يبنون مكاننا ‘متحف التسامح’ قناعا للحقد، ويزورون التاريخ .’صاحت مقابر فلسطين، في دير ياسين وغزة وجنين :- عظامنا تطحن في أرضنا مثل الرمل ويسلموننا للمستوطنين، فهل من معين؟’تجمهر الناس حول المقابر ولم يسمعوا أصواتا غير صوت الجرافات التي تجرف التاريخ والطين .!qad