منجي المازنيبمرور سنتين على قيام الثورة في تونس تعددت التقييمات وتسابقت عديد البرامج التلفزية وخصوصا في القنوات المنحازة للفوز بسبق صحافي حول حصاد سنتين من الثورة. وكالعادة جاءت الحصيلة هزيلة وهزيلة جدا ، فماذا قالت الصحافة أو بالأحرى ماذا صنعت ؟ لقد جمعت أحزاب الأصفار،التي نجحت بصفر فاصل، ومثقفي الاستعمار حول مائدة مستديرة لتقييم حصيلة سنتين من الثورة. وحتى تبعد الشبهة عنها فإنها تستدعي أحيانا عضوا من الثوار. ثم تعطي الإشارة لانطلاق الحوار. فماذا تقول الأحزاب المنبتة وماذا يقول المثقفون المتغربون المشاركون في الحوار؟. قالوا : سنتان من الثورة لم تستطع الحكومة إلى اليوم إنجاز دستور للبلاد ولم تستطع توفير مواطن شغل للعباد ولم تستطع إقامة مشاريع تنموية في أغلب الجهات ولا سيما الجهات المحرومة التي انطلقت منها شرارة الثورة. كما لم تتمكن من إصلاح الإعلام وإصلاح القضاء ولم تستطع الحد من غلاء الأسعار. الإنجاز الوحيد الذي حققته الحكومة حسب هؤلاء دائما هو مهاجمة قوات الأمن لكل المواطنين الثائرين، المطالبين بتحسين ظروف عيشهم والمطالبين بشغل وبحياة كريمة، إلى درجة استعمال الرش ضد المتظاهرين في ولاية سليانة. ولكي يبين هذا الإعلام أن ما يقوله إنما هو عين الحقيقة قام بجولات داخل ولايات الجمهورية لاستقصاء الحقيقة مباشرة من الرعية. حيث اتجه هذا الإعلام إلى المواطنين المنهزمين نفسيا والأنانيين لكي يسألهم عن أحوالهم وعن تقييمهم لإنجازات الحكومة طيلة سنتين. ففي كل يوم تمدنا قنوات إعلام العار بقائمة جديدة من المواطنين من عديد المناطق المهمشة لكي يرووا لنا معاناتهم الشديدة وظروف معيشتهم اليومية القاسية التي استفحلت بعد الثورة ، وكيف أن الحكومة لم تلتفت إليهم وإلى معاناتهم إلى حد الآن.فبعد أن كان الإعلام الرسمي يسبح بحمد الرئيس المخلوع بن علي وبدولة الفساد والاستبداد، والمواطن العادي (المختار بكل عناية) يشكر سيادة الرئيس بن علي على الإحاطة الشاملة ويشكر الدولة على ما قدمته له من إعانة لا تزيد عن 10 كغ سميد و 5 لترات زيت و 2 كيلوغرام من الطماطم المعجونة و2 كغ سكر أصبح نفس هذا الإعلام بين عشية وضحاها يهاجم الحكومة المنتخبة ويحرض الرأي العام عليها ليلا ونهارا وأصبح نفس هذا المواطن يتنقل من شاشة إلى شاشة ومن برنامج إلى برنامج يندد بسياسة الحكومة ويكيل لها التهم جزافا رغم كل ما تبذله لأجل المواطن وكرامته.اتفق هذا الاعلام وأحزاب الأصفار ومثقفو الاستعمار ومواطن الغلبة على أن هذه الحكومة لم تنجز شيئا يذكر لهذا الشعب المسكين خلال سنتين من الثورة. واتفقوا أيضا على أن الدولة لم تقم بواجبها لكبح جماح رابطات حماية الثورة وحلها ولم تقم بواجبها لحماية الاجتماعات الحزبية والعمالية. واتفق هذا الرباعي على أنه ليست لديه مشكلة لطرح قضايا المثليين وتسويقها لدى الرأي العام ولو على مراحل. واتفقوا أيضا على ضرورة إعطاء حرية الإبداع الحرية المطلقة بدون سقف وبدون ضابط أخلاقي بل وتضمين كل ذلك في الدستور. هذا التوجه نجده في أغلب الشاشات الحكومية والخاصة يتصدر المشهد الإعلامي.يهرب المواطن العادي من هذا الكابوس من شاشة إلى أخرى ولكنه كلما هرب من كابوس وانتقل إلى شاشة موالية إلا ووجد هذا الكابوس أمامه من جديد (إلا ما رحم ربي) ووجد نفس الأفكار تطرح عليه بإلحاح من جديد لعلها في الأخير تتمكن من الولوج إلى قلبه وإلى عقله بعد عديد المحاولات وكما يقال ‘الدوام ينقب الرخام’.نحن إذا إزاء ثورة مضادة تخرج لنا من كل الشاشات ومن كل البيوت لتدخل إلى كل البيوت. فلا غرابة إذا تساءل المواطن العادي بينه وبين نفسه عن إنجازات الحكومة وساوره الشك في إنجازات الثورة أو فيما يمكن إنجازه. نحن إذا إزاء ثورة مضادة ضارية. نحن لسنا أمام سنتين من الثورة بدون إنجازات بل نحن أمام عامين من الثورة تحت تأثير الثورة المضادة.لقد نجحت الثورة المضادة أو لنكن أكثر دقة: لقد نجح هذا الرباعي في مراوغة الناس وتحويل وجهتهم من الأهم إلى المهم. لقد نجحت الثورة المضادة ونجح إعلام بقايا الاستبداد في صناعة رأي عام يطالب بالإسراع بتحقيق المطالب المادية والإنجازات المنشودة بل زاد على ذلك حيث عمد إلى تصوير الأمر وكأنه معركة حياة أو موت من أجل تحقيق المطالب المادية العامة للناس ومن ثم اتهام الحكومة والرئاسة والمجلس التأسيسي بالتقصير الكبير وعدم الوفاء والالتزام بتحقيق مطالب وأماني المواطنين والحال أنه لا يمكن الحديث عن إنجازات في ظل بقايا الاستبداد. فكيف يستقيم الظل والعود أعوج ؟ وكيف يمكن الحديث عن إنجازات في ظل العراقيل والاعتصامات والاحتجاجات اليومية الممنهجة سلفا حسب الزمان والمكان والمبرمجة والموزعة على كامل ولايات الجمهورية.فالأهم والمطلوب في هذه المرحلة حسب قانون الثورات هو تثبيت الثورة وهزم الثورة المضادة. فبقايا الاستبداد الذين يقودون الثورة المضادة لا يظهرون على حقيقتهم وإلا لخسروا مواقعهم في أول جولة بعد الثورة بل يظهرون في مظهر المدافعين عن المواطنين المستضعفين. فعندما كانوا في السلطة يصولون ويجولون لم يلتفتوا إلى المواطنين وداسوا على كرامتهم وعلى حقوقهم على مدى سنوات الاستبداد ولكنهم عندما خرجوا من السلطة بقانون الثورة وبصندوق الانتخاب أصبحوا بين عشية وضحاها من المدافعين بشراسة على حقوق المستضعفين وغدوا لا ينامون الليل من كثرة التفكير في الفقراء والمساكين والمهمشين وأصبحوا يشتمون هذه الحكومة المنتخبة التي لم تقدر، في نظرهم، على توفير أدنى مستلزمات الحياة الكريمة للمواطنين رغم مرور سنتين كاملتين على الثورة وحثوا كل الشرائح وكل الموظفين بمختلف أصنافهم على التظاهر للمطالبة بالزيادات في الأجور. وأصبحنا نرى القضاة والأطباء والأساتذة الجامعيين وأساتذة التعليم الثانوي في طليعة المحتجين والمضربين لتحسين أوضاعهم المادية والمعنوية والحال أن هذه الثورة أطلق شرارتها العاطلون عن العمل الذين مازال أغلبهم يبحث عن هذا العمل إلى حد هذه اللحظة. فقولوا لي بربكم كيف يمكن لمن انتصب مدافعا ومستميتا عن بن علي في ليلة 14 يناير أن يتصدر المشهد الإعلامي وأن ينصب اليوم نفسه بنفسه مدافعا عن الإعلام وعن حرية الإعلام وأن يصول ويجول ويتهكم على المسؤولين بحجة حرية الإعلام في زمن الثورة.من المفترض أيضا أن لا تنساق الرموز الوطنية، التي حاربت الاستبداد واكتوت بناره، إلى محاورة هؤلاء الخونة وتقدمهم للرأي العام على أنهم يدافعون عن حرية الكلمة وحرية الصحافة وتمكنهم بالتالي من مراوغة وخداع الناس مرة أخرى، وذلك بتوظيف أسماء الرموز الوطنية الشريفة، لتمرير كل خططهم وأفكارهم الجهنمية من جديد. فمثلا يعمد رموز إعلام العار إلى استدعاء الشيخ عبد الفتاح مورو ضمن خمسة أو ستة أشخاص من رموز الفساد وبقايا الاستبداد ليفرضهم فرضا على المشاهدين. فلا يستطيع المشاهد أن يستمتع بخمس دقائق تحليل من الشيخ إلا بعد أن ينصاع مكرها للاستماع إلى تحاليل تقطر سما لمدة ثلاثين دقيقة. فلا غرابة إذا أن يصاب المشاهد في زمن الثورة بمرض السكر وغلظ الدم ومرض الأعصاب. لم أعد أحتمل ولم يعد يحتمل المشاهد أن يصغي إلى مروجي إعلام العار ولو لدقيقة واحدة وأصبح المشاهد يتنقل من قناة إلى قناة ومن برنامج إلى برنامج فإن عثر على ضالته حط الرحال وإلا فهو في رحلة مستمرة وبحث مستمر عن الكلمة الطيبة والحقيقة الناصعة.قام الشعب بثورة غير مكتملة ورمى الكرة في ملعب الحكومة التي انتخبها لكي تخلصه من بقايا الاستبداد وتنجز له بعد ذلك ما يريد ولكن هذه البقايا نجحت في إلصاق كلمة مؤقت بهذه الحكومة (يعني حكومة قاصرة ) وفي التشويش عليها وافتعال الأزمات لها لكي تنشغل بنفسها عنهم. والحل هو إما انتظار ستة أشهر إلى حين إجراء انتخابات تشريعية وانتخاب حكومة قوية لخمس سنوات كاملة أو التحرك من جديد لمحاصرة إعلام العار وبقايا الاستبداد ودفع فاتورة الثورة الثانية أو الثورة التكميلية وللشعب سديد النظر. ‘ كاتب تونسيqraqpt