مروان العياصرة يقول غاندي: لا يمكنك أبدا مصافحة يد مقبوضة..نحن الأردنيون، قضينا كل سنوات عمر الدولة والحكومات على كثرتها- نصافحها ويدها مقبوضة على الدوام، حتى حينما كانت تمد يدها بالعطاء، لم يكن عطاؤها عن حق شرعي، وإنما كان عن هبة ملكية أو مكرمة هاشمية، إمعاناً في تكريس العلاقة التاريخية المدعاة بين الشعب والنظام، نعم، كان ولا زالت العلاقة تاريخية من حيث الزمن المجرد الذي مرَّ عليها، لكنها من حيث القيمة والمعنى شيبت بما عكر صفوها على مدار تاريخ الحكومات التي مارست دوراً واحداً ومحدداً (كحاجب أو وزير بلاط.(لم يكن لدينا حتى الساعة وزراء بالمفهوم الطبيعي للوزير، فمجلس الوزراء حاجب القصر والوزراء ليسوا سوى وزراء بلاط، فاختيار الوزراء يتم على عين الملك وأجهزة الأمن ورئيس الحجّاب، ومجلس الأعيان الذي يسمى أيضاً (مجلس الملك) يتم اختيار أعضائه أيضاً من قبل الملك، ولكي تكتمل مسامير المائدة الملكية، يأتي دور مجلس النواب الذي ينتخب أعضاؤه انتخابا مباشرا من قبل الشعب، لكن الفاحش والبذيء في هذا الانتخاب أنه ليس له من اسمه نصيب إلا من حيث الديكور الديمقراطي والشكل القانوني، وأقرب تجربة، قبل أيام لا تتجاوز أصابع اليدين أو القدمين، جرت انتخابات المجلس النيابي السابع عشر، وهو باختصار – بكل ما أفرزته معطياته السابقة ونتائجه اللاحقة لا يمكن وصف أعضائه إلا بأنهم يكملون ما نقص من مسامير مائدة الحكم.وإذا افترضنا سؤال (.. لماذا ..؟)، فلأن تزوير الانتخابات تعني بشكل مباشر تعيين أعضاء المجلس، ولأن قانون الانتخاب الذي رفضه الشارع العريض، وكرسته الحكومة غصبا بالتأكيد سيفرز نوابا على (قد الإيد)، ولأن – على سبيل المثال – إقناع وزير سابق نجح في الانتخابات بالتخلي عن مقعده لصالح مرشحة خسرت في الإعلان الأولي للنتائج، ونجحت فيما بعد، يعني استرضاءات وتكميم أفواه وإخراس أصوات، ولأن تخلي الحكومة عن شخصيات من طراز (التيار الوطني) على سبيل المثال أيضاً لصالح تيار الوسط الإسلامي، يعني مناكفة حكومية للإسلاميين، وزيادة رصيدها من بدلائهم من (محلِّلي) المجلس، ويعني كل هذا وغيره بالمحصلة، ترقيع و(لمّ الطابق) على ما كان.الحبكة في رواية الانتخابات الأردنية ليست في تزوير الإجراءات وتدوير (33) نائباً من المجلس السابق الذي حلَّ أساساً بإرادة ملكية، و(58) نائبا من مجالس أخرى سابقة، إنما الحبكة في مسألتين، الأولى فيما قبل الانتخابات من خلال كبح جماح الشارع من أن يتسلل إلى مناطق متقدمة من الربيع العربي الأردني، والثانية، ما بعد الانتخابات في ترك الإسلاميين في الخلف، والسير للأمام من خلال بدلاء من اليسار والوسط، والعشائر ورجال الأعمال وكلهم بينهم قاسم مشترك واحد أنهم (موالون) ومن مسامير المائدة، تماماً كما كانت المجالس السابقة بتشكيلاتها وصيغها وتكتلاتها، وبحسب جون كيندي فإن (المطابقة سَجَّانة الحرية وعدوة النمو). والمطابقة معجميا من مادة (طبق) وهي: وضع الشيء مبسوطاً على مِثله، لذا بقيت حرية الشعب في اختيار ممثليه مسجونة في إطار الاختيار الحكومي، سواء بالتزوير أو بالقانون الذي يمكن التحكم بمخرجاته، وربما هذا ما يفسر حجم الاستغراب من أن غضب الشارع على النواب السابقين ووقوفهم بتحدي لإسقاطهم، إلا أنهم في أغلبهم عادوا محملين بوهم الاستحقاق الانتخابي بالتزوير والتدوير، وسط مقاطعة شعبية كثيفة للانتخابات ليست من الإسلاميين وحدهم، وإنما تعدت إلى أطياف شعبية وتيارات سياسية أخرى.الذي يرهق ولا يجدي الآن هو الانشغال بقراءة التحالفات والتكتلات النيابية المفترضة في المجلس الجديد، ونحن نعلم المحسوبين على المعارضة داخل المجلس الحالي ليسوا سوى أوراق ممهورة بتوقيعات الحكومة، وما يطفو على سطح القراءات لهذه التكتلات لن تجد لها فرصة مواتية للتحول في دورانها من حول الدوار الرابع (حيث مقر الحكومة) إلى ميدان الشعب، وسط حركة نيابية موالية ومزدحمة تعيق أي حركة أخرى، ولا أرى في وجود أي نكهة للمعارضة إلا من قبيل المجاملة للشعب، باعتبار أن المجاملة بتفسير فيكتور هوغو لا تشبه إلا القبلة من خلال ستار.’ كاتب اردنيqmdqpt