محمد بوعبد اللهبين ‘عين أمناس’ و’إن أمناس’ فارق يصنعه اختلاف في حرفين ليس أكثر، لكن فرض الترجمة الفرنسية لمنطقة جزائرية أصل تسميتها عربي، قد لا يجد له مبررا سوى مدى حجم النفوذ الفرنسي نفسه في الجزائر، وهو ما رأيناه حتى في اللافتات التي كانت تؤشر لاسم المنطقة بالعربية مترجما عن لفظه فرنسيا بدل الاسم الأصلي عربيا، وتلك مفارقة قد لا تحدث للأسف إلا في بلد دفع ثمن التحرير ‘المنقوص’ ملايين من الشهداء الذين رفضوا، خلال أكثر من قرن وثلاثة عقود، أي شكل من أشكال الخضوع للهوية الفرنسية، ونبذوا التبعية لعاصمة الجن الذين استباحوا دماء الجزائريين، وحاولوا جاهدين استئصال دينهم وثقافتهم ولسانهم.. وبدل أن يسعى الجزائريون إلى تحرير لسانهم من عقدة التمسك بلغة المستعمر ‘غنيمة حرب’، كما يصفها البعض، والانفتاح على غيرها من اللغات الأجنبية، دون التمكين لها أو لإحداها على حساب اللغة المتأصلة فيهم، لم تتردد الأقلية التابعة لفرنسا، لغويا على الأقل، في منح اللغة الفرنسية ميزات تجعلها فوق كل اعتبار لغوي آخر. لقد وقعت الفضائيات العربية مؤخرا في مأزق التخبط بين استخدام تسميتين لمنطقة واحدة، وكثيرا ما كانت الغلبة للاسم المنقول حرفيا عن الفرنسية، ولا تثريب على تلك الوسائل الإعلامية ما دام التخبط ذاته كان في القنوات الجزائرية نفسها، ولست أدري هل كان ذلك أمرا مقصودا، أم تقصير في تجنب ما هو موجود أصلا من خطأ في التسمية. ولكن هذا الأمر يجرني إلى التقاليد الإعلامية التي كرس لها التلفزيون الرسمي خلال سنوات، في التعاطي مع اللغة العربية وضرتها الفرنسية، وعلى خطاه مضت بعض الفضائيات الخاصة التي ظهرت في الآونة الأخيرة، إمعانا في تقديس اللسان الفرنسي وإذلال اللغة العربية في عقر دارها، فلا تعجب إن لم تسمع دبلجة لمتحدث بالفرنسية في أخبار بالعربية، ولا تصدم إن كان المنطق ذاته غائبا في الحالات العكسية للحالة السابق ذكرها، وطبعا قد يكون هناك من يبرر عدم دبلجة الفرنسية بنقل ما يقوله الجزائري بأمانة ودقة، أو بأن الجزائريين يفهمون الفرنسية ولا حاجة للدبلجة، وهذا إن قيل فلا ريب أن فيه تجاوزا للغالبية العظمى التي لا تنطق بلسان فرنسي، عكس ما يزعمون. الأمر ذاته يمكن أن ينسحب على القناة الثانية من التلفزيون الجزائري، والتي كانت انطلاقتها موجهة للجالية في الخارج سنوات التسعينيات. والمثير للانتباه أن الفضائية التي كان يفترض أن تكون منفتحة على لغات متعددة، بحكم أن الجزائريين لهم وجود كجالية في بريطانيا وغيرها من الدول الأخرى، وليس في فرنسا وحدها، إلا أن التوجه خارج اللسان الجزائري الأصيل صار مقتصرا على الفرنسية، تحت مسمى ‘Canal Algerie’، بعد أن كانت القناة تحت اسم ‘Algerian TV’، وهو ما يكرس لتلك التبعية الثقافية لفرنسا ولسانها الذي يراد له أن يكون له سلطة لغوية على الجزائريين كلهم، مع أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية ولهجاتها الجزائرية المختلفة لسان الغالبية الساحقة من السكان. ولست أتوقع أن يركز قانون الإعلام الجديد على هذه الجزئية التي تجد عند الفرنسيـــــين تكريسا لاعتــــزازهم بلغتهم، وتحفظا على تسلل اللغات الأخرى إلى إعلامهم، حتى لو كانت اللغة الإنجليزية المعــــروفة بأنها اللغــة العالمية الأولى.. وأما القناة الإخبارية الفرنسية الدولية، فقد أطلت بثلاثة ألسن لمخاطبة الآخر والسعي للتأثير فيه، بما في ذلك الناطقون بالفرنسية في إفريقيا وأوروبا، وليس استسلاما أو خضوعا لمد لغوي أجنبي… وقد لفت انتباهي أيضا، وأنا أقرأ إحدى الصحف الجزائرية ذائعة الصيت، خبرا كان فيه مقول القول سابقا لقائله وفعل القول على طريقة التركيب اللغوي باللغات الأجنبية، وأحسبه من تأثير الفرنسية بشكل مباشر على اللغة الإعلامية العربية في الصحافة الجزائرية، والتي ينتقد الكثير أسلوبها اللغوي الذي يفتقد إلى التدقيق أكثر في الكتابة الخبرية، على عكس الصحف الناطقة بالفرنسية التي تجد فيها اللغة الأجنبية اهتماما بالغا بقواعدها وأسلوبها، ولا مجال للكتابة بأخطاء لا نجدها شائعة تعبيرا ونحوا إلا في اللغة العربية، كأنما يراد بذلك التساهل في إشاعة الأخطاء ضربُ تلك اللغة في الصميم، من أجل التمكين أكثر للغة الفرنسيين في مستعمرتهم السابقة، أو على الأقل قد يكون مجرد إهمال لا يدرك الكثير نتائجه الوخيمة على اللسان الجزائري مستقبلا، وهو ما أشار إليه الرئيس نفسه قبل سنوات بأن الدارج من كلام الجزائريين أصابته لوثة الخلط باللغة الأجنبية، حتى صرنا نسمع أفعالا بالفرنسية يخضع تصريفها لمنطق اللهجة الجزائرية. لا يفوتني أيضا أن أنقل لكم استغراب زميل من أشقائنا العرب أن يتحدث الوزير الأول الجزائري، بعضا من كلامه في المؤتمر الصحفي بالعربية وبعضا آخر بالفرنسية، وهو أمر لم نجد فيه عزما لدى كثير من المسؤولين الذين يخاطبون رعيتهم بلغة لا يفهمها الأكثرية من الناس في القرى والمداشر، بل حتى المقيمين في المدن، فأولئك ربما غير معنيين بخطاب تكون في الأساس شفراته موجهة للأقلية النافذة في الحكم، لاسيما عندما يتحدث الرجل الأول في البلاد بلسان فرنسي مخاطبا أمة بأكملها، ولست أدري كيف لا تتقيد الخطابات الرسمية للمسؤولين الجزائريين باللغة الرسمية دستوريا، ولكم أن تتخيلوا رئيسا فرنسيا يخاطب الفرنسيين بالعربية، أو مستشارا ألمانيا ينطق بالتركية في برلمان بلاده، أو رئيسا يابانيا للوزراء يحدث قومه بالإنجليزية، وهل سمعتم رئيسا للولايات المتحدة يتحدث بالإسبانية في خطاب للأميركيين جميعا، من أجل أقلية تعرف تلك اللغة اللاتينية أو تنطق بها يوميا. ‘ صحفي جزائري مقيم حاليا بإيرانqmdqpt