أبعد من مالي: أزمة الشمال الافريقي

حجم الخط
0

صابر رمضان لا اعتقد ان احدا منا ينكر ذلك الترابط الجغرافي والديني والسياسي بين شمال افريقيا وقضاياها، وبين الشرق الاوسط بموقعه وقضاياه، كما انه لا يمكن اغفال تلك الاهمية التي يتمتع بها شمال افريقيا كمجال حيـــوي لمصالح اوروبا والعالم الغربي والتي لا تقل اهمية عن منطقة الشـــــرق الاوسط لا من حيث الشكل ولا المضمون كذلك. خاصة في عالم يشهد تفاعلات دولية عابرة لحدود السيادة التقليدية الثابتة عبر التـــــاريخ، مما ينتج مشهداً دولياً مختلف تماما عما كان سائداً في القـــدم، هذا ما اثبته التدخل الفرنسي في مالي والذي وجد صداه الشرق اوسطي متمثلاً في الاراء تجاه تلك الأزمة .فما يحدث في الشرق الاوسط يؤثر في شمال افريقيا والعكس، وهذا ما تحدث به (جاكوز روسلر) وهو من المستشارين السياسين دولياً، فغزو امريكيا للعراق في عام (2003) لم يساعد حكومات الشمال الافريقي على مواجهة الارهاب أو وقف تنامي الدعم الشعبي للجماعات ‘الراديكالية’ هناك. فاللغات والاجناس، والثقافات والاديان ،وتفاعلات الشعوب والجماعات والمنظمات العابرة للحدود دفعت المفكرين لسلوك نهج جديد في الحديث عن الحدود الحديدية والسيادة التي طالما حرصت الحكومات في الحفاظ عليها كنتاج لمرحلة استعمارية مريرة.انعكاسات حالة مابعد الاستعمارفي حقيقة الأمر هناك قضايا جعلت التشابك في العلاقات الدولية والشعبية امراً واقعاً لا مفر منه .مما صعب من عملية التحليل والتفسير لماهيتها وجذورها وانعكاساتها على المجتمعات السياسية والمدنية. فالايديولوجيا الدينية، والارهاب، وموجة الاستعمار الحديث والقديم، وشبكات الجريمة المنظمة ،وتجارة المخدرات والحشيشة، وتجارة السلاح،وحركات التحرر الوطنية ،ونمو الجماعت المسلحة والدينية المتنوعة في الانتماء الاثني والعرقي والتي تأتي كاستجابة طبيعية وانعكاسة حقيقة لحالة ما بعد الاستعمار والتي يمكن تسميتها بمرحلة (الاستعمار عن بعد) حيث تتدخل الدول القوية وتنهتك سيادة الدول الضعيفة لذرائع متعددة (كالتدخل الفرنسي في مالي)، كل هذه العوامل وغيرها جعلت من التفاعلات العابرة للدول امراً لا يمكن تجاهله في النظام الدولي والاقليمي، وفي محاولات معالجة قضايا حساسة والتي تنصب بشكل كلي باتجاه محاربة ما يمكن تسميته بالارهاب الدولي.إن جل الجهد المبذول في هذه المقالة ينصب على نحو يساهم في فهم ظاهرة (الارهاب واليات مواجهته) في منطقة شمال افريقيا، وفهم تجارب بعض الدول في تلك المنطقة في مواجهة هذه الظاهرة، وتفاعلاتها مع القوة الرئيسية المنتجة للسياسة الدولية (الولايات المتحدة الامريكية)، ومع نموذج تجارب دول اوروبية ممثلة هنا (بالتدخل الفرنسي في الشمال الافريقي) وما حدث في مالي مؤخراً.في التعريج على ملخص اساليب الدول في مواجهة الجماعات المسلحة والدينية ،تثير تلك التجارب الى أنه لا يمكن التعويل على تلك الاساليب والتي اثبتت فشلها المستمر في مواجهة ظاهرة الارهاب، ولعل استمرار تواجد تلك الجماعات وممارسة انشطتها المسلحة والعابرة للحدود والسيادة خير دليل على ذلك .فمثلاً دولة كالجزائر والمهددة بالجماعات الدينية اعتمدت على قواعد لمواجهة تلك الجماعات وكبح انشطتها من خلال، المواجهة العسكرية، ثم الدخول في عملية المصالحة الوطنية الداخلية، ومنع انتشار الاسلام السلفي والجهادي، وتشجيع بعض الحركات الصوفية،وسياسة تعيين الائمة، والاصلاح الاجتماعي ،وتأهيل المعتقلين من ابناء تلك الجماعات، والتحالفات الاقليمية والدولية، ولكن هذا التنوع في المواجهة احياناً، والاصلاح الداخلي احياناً اخرى لم يمنع تلك الظاهرة التي ما زالت تشهدها الجزائر حتى يومنا هذا. من يتحمل مسؤولية مايحدث ؟إن ازمة الرهائن الجزائرية تشهد على استمرار نشاط تلك الجماعات ،ذات الاصول والجنسيات المتنوعة، خاصة بعد الهجوم على محطة للغاز في (أميناس). لقد واجهت الاساليب الجزائرية انتقاداً غير مباشر من صحيفة الغارديان البريطانية، والتي تساءلت عن اولويات الجزائر في التعامل مع الازمة، فهل هي مواجهة الجماعات الجهادية ،ام تحرير الرهائن الاجانب، ام جمع المعلومات؟ .في حين أن وزير الدفاع البريطاني (فيليب هاموند) نأى بنفسه وبالنظام الجزائري عن تحمل المسؤولية والقى بها على الجماعات الاسلامية بقوله ‘أن الارهابين هم من يتحملون المسؤولية الكاملة’. دون توجيه اللائمة للنظام الجزائري وللمؤسسة العسكرية التي تستغل من النفط والغاز مانسبته (98′)من دخل البلد، وهذا من اساسيات الفساد .إضافة لكل ما سبق، تضع العلاقات الجزائرية الافريقية والمغربية بالذات توتراً مستمراً، الى جانب مشكلة الصحراء الغربية. وكذلك التجربة الليبية، والتي سعت الى اعادة تعريف مفهوم الجهاد عبر النقاشات المطولة مع الجماعات الدينية والاكاديمين في ظل نظام القذافي. لقد كان من اكثر المشاركين في اسقاط القذافي ونظامه هي التنظيمات الاسلامية، حيث شكلت هذه التنظيمات القوة الرئيسية. وبرزت بشكل واضح في شرق ليبيا، ويشهد على ذلك ما قامت به جماعة ‘انصار الشريعة ‘ ضد السفارة الامريكية ومحطة ال( CIA) كما أن ليبيا احدى قواعد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي.التجربة التونسية ،بطبيعة الحال قبيل الثورة، حيث ازداد التحاق التونسيين الشباب بالمجموعات الراديكالية، فمن بين ال(32) من المنفذين لعملية اميناس بالجزائر، كان منهم (11) تونسياً.كما ان من الجماعات المسيطرة على شمال مالي منهم تونسيين .وهذا ما اثبته المتابع للجماعات الاسلامية (صلاح الدين الجورشي). اما تونس اليوم فإن الساسة يشيرون الى تخوف حزب النهضة في تونس من تزايد نفوذ التنظيمات الجهادية السلفية.التجربة المغربية، اعتمدت المغرب على المشاركة المشروطة في الانتخابات للجماعات الاسلامية، ونأت بنفسها رسمياً وشعبياً عن الازمات العربية والاسلامية حفاظاً على نظامها السياسي، وعلى ما يسمى ‘أمير المؤمنين’ الممســـك باداتــــي الدين والسياسة هناك ،ولكن ذلك لم يعفها من بعض الاضطرابــات السياسية والاجتماعية، مما استدعى عقد اجتماعاً هام لوزراء الداخلية في كل من اسبانيا، وفرنسا، والبرتغال والمغرب في العاصمة الرباط لبحث سبل مواجهة الارهاب وتبادل المعلومات الاستخبارية والاخبار، سبقها السماح لطائرات فرنسية بالوصول الى مالي عبر اجواء المغرب، والذي لاقى تنديداً واسعا من قادة الحركات الجهادية السلفية لمثل هذا التدخل والمساعدة المقدمة من المغرب لفرنسا. ان هذه التجارب المتنوعة والمتأرجحة بين النجاح والفشل، التي قادتها انظمة شمال افريقيا بما فيها الاصلاحات الداخلية السياسية والدستورية، اضافة لسياسات اوروبا لم تأت بما كان متوقعاً من الاستقرار. كما أن ما يزيد الطين بلة ان المجتمعات المغاربية والافريقية عموماً تضم جماعات دينية معتدلة ومتطرفة منها من تقبل قواعد التعايش السلمي، ومنها من بقي متمترس خلف الجهادوهذا يصعب من نجاح التعامل معها. ومما يجدر الاشارة اليه، أن الولايات المتحدة تحدثت عن نشوء (قوس جهادي) في افريقيا يضم مالي والنيجر والجزائر وليبيا، وتونس.الاستعمار هو جوهر المشكلةحتى الجهود الدولية التي تبذلها دول اوروبا والولايات المتحدة الامريكية، لم تضع حداً نهائيا لتلك الجماعات والشبكات، فقد سعت امريكيا الى تقديم الدعم الأمني واللوجستي والمعلوماتي لدول شمال افريقيا، وتقوية اجهزتها العسكرية والشرطية، وتزويدها بالاليات والمعدات، وتنفيذ برامجها الثنائية مع تلك الدول ،بالاضافة الى اعتماد اصلاحات في البرامج التربوية والتنموية كذلك. ولكن الحال بقي على ما هو عليه في تلك المنطقة، فدول الشمال الافريقي تعيش في مثلث ازمات بين الحكومات، واوربا، والجماعات المسلحة هناك.ان اختلاف الاساليب والتجارب المتنوعة في المواجهة والتصدي لظاهرة الارهاب هناك، حتى التغيير في السياسة والافعال أو التغيير في الايديولوجيا، لم يأتي بثماره. فالمشكلة ابعد من تلك الجماعات ومواجهتها، إن جل المشكلة وجوهرها يعود الى الاستعمار وسياساته فبــــعد انتهاء السيطرة العسكرية (الاستعمار المباشر) دخلنا مرحلة الاستعمار عن بعد، حيث بدأت الدول القوية تسعى جاهدة للحفاظ على مجالها الحيوي ومصالحها المترامية داخل وخارج حدود دول الشــمال الافريقي ،والتي تنطوي على مصالح حيوية اهمها الموقع الجيوسياسي، والموارد الحساسة كالنفط والغاز، وما تشكله تلك الدول من سوق واسعة لبضائعها، ومصادر الطاقة،وبعض ما تبقى من رعاياها، وثقافتها هناك.إن منح تلك القوى الاستعمارية وبالذات امريكيا ،وفرنسا ودول اوروبية اخرى لدول الشمال الافريقي سيادتها الحقيقة، وحقها في مواردها، والكف عن التدخل العسكري الهمجي والمنافي لكل القوانين والحقوق الانسانية .هو المدخل الحقيق للحد من تلك الظواهر حتى عبر الحدود، أما اذا بقيت امريكيا واوروبا على سياستها التدخلية فهذا يجعل المصالح الغربية اكبر تهديد تواجهه السيادة المغاربية برمتها ويهدد الاستقرار الاقليمي كذلك، ويجعل الفرصة مهيئة باستمرار لنشوء جماعات العنف وشبكات الاختطاف. لذلك لا بد من تطبيق رؤية المفكر(كريمينز) في ترك الحكومات والشعوب حرية الاستفادة من الموارد المحلية والخارجية لغرض التنمية الاقتصادية والتحديث.لقد حاول دارسي ظاهرة الارهاب من المفكرين الغربيين الى وضع نظريات سيكولوجية لفهم تلك الظاهرة ،حيث ارجعت السبب الى تنامي الدين والكراهية النفسية النابعة من ايديولوجيات متطرفة. على اساس أن ‘الارهاب ليس قراراً فردياً بقدر ماهي عملية ديالكتيكية تدفع بالفرد نحو ممارسة العنف’.أن عملية تفسير نشوء جماعات وموجات العنف في شمال افريقيا والشرق الاوسط، على أنها ‘شعور بالحرمان والذي سرعان ما يتحول الى ادراك أن الحرمان ذو جذور دينية واجتماعية، لا يمكن تجنبه وبالتالي فإن ممارسة الارهاب يصبح اقرب للواقع ‘ يجافي الحقيقة التي تقف وراء الحرمان والمتمثلة باستنزاف الغرب لخيرات وموارد الدول بطرق شتى، تتيح للغربيين الترف والرفاهية وتحرم الشعوب صاحبة الحق من التمتع بثرواتها وتبقيها قيد الحرمان ناهيك عن فساد الحكومات المغاربية.ولا ابالغ اذا قلت ان استمرار هذا الاستعمار الاوروبي والغربي في شمال افريقيا تحت مظلة المجالات الحيوية والمصالح الأمنية لأوروبا، سيزيد مستقبلاً من تنامي الجماعات الارهابية على نحو يجعل من الدبلوماسية ،والحرب ادوات غير ذات جدوى، طالما أن جذور المشكلة لا زالت مستمرة. هذا ما اثبتته التجربة الفرنسية في مالي حيث ‘الموارد والموقع الجغرافي لشمال مالي كان سبباً في اهتمام القوى العظمى ‘(سيدي احمد ولد احمد سالم .’ازمة شمال مالي والاحتمالات المفتوحة. ديسمبر 2012، ص 7،نشر على موقع الجزيرة). فالهجمات الفرنسية والدعم اللوجستي والمعلوماتي الغربي والامريكي لن يساهم في القضاء بشكل مطلق على الجماعات المسلحة في الشمال المالي. ومن هذا المنطلق المبني على المصالح ‘ لا تدعم اوروبا أي مشروع للتجمع العربي أو لتجمعات عربية، بما في ذلك المغرب العربي مالم تحصل على الثقة انها قادرة على السيطرة’.إن هم اوروبا الوحيد حماية مصالحها وتأمينها في دول المغرب العربي، دون اهتمام بوحدة المنطقة بما يحقق لشعوبها الاستقرار والتطور.حتى الديمقراطية التي تتذرع بها اوروبا تم اجهاضها من قبل الانظمة الحاكمة في شمال افريقيا برعاية اوروبية خشيت وصول الاسلاميين الراديكاليين للسلطة وتهديد مصالح اوروبا. والرغبة في الحفاظ على استمرار نظام مرحلة مابعد الاستعمار المباشر، حيث تشهد تلك المنطقة وخاصة البلاد العربية والمغاربية حالة من ‘المقاومة الغربية لأي نموذج حضاري مغاير لما انتجه وطوره الغرب’. هذا ما اثبتته المنظومة السياسية الدولية، ونمط العلاقات بين الدول الغربية التي سارعت لتقديم كافة اشكال الدعم المتنوعة لفرنسا.’ باحث في الشؤون الدوليةqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية