محــمد كريشانحدثان بارزان حصلا هذه الأيام في كل من مصر وتونس يجب ألا يمرّا دون تدبـّــر شديد لأن مآلهما خطير للغاية على مستقبل الأمن في كلا البلدين. الحدث الأول في تونس حيث اجتمع آلاف من رجال الأمن في اجتماع تحت شعار ‘نكون أو لا نكون’ للمطالبة بـ’تحييد المؤسسة الأمنية وجعل الأمن جمهوريا يخدم الوطن لا أطرافا سياسية وحزبية ضيقة’. الأهم أن هؤلاء الذين قدرت النقابة الوطنية لقوات الأمن الداخلي عددهم بثمانية آلاف طالبوا أيضا برحيل وزير الداخلية علي العريض، أحد قيادات حركة النهضة الإسلامية، لأن ‘أداءه لم يكن في مستوى آمال الأمنيين (..) وهناك محاولة لتطويع المؤسسة الأمنية وتسييسها لخدمة أطراف معينة’ متهمين الوزير بزرع عيون له في وزارة الداخلية لمعرفة الإسلاميين الخلّص من غيرهم. الحدث الثاني في مصر حيث تعرض وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم للمنع من بعض الضباط من المشاركة في جنازة اثنين من رجال الشرطة قتلا في المظاهرات العنيفة التي شهدتها البلاد. ووفق ما ذكرته وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية فإن العشرات من ضباط الأمن المركزي أجبروا الوزير على الخروج من مسجد الشرطة رغم أنه حاول التحاور معهم وتهدئتهم بعدما ثاروا في وجهه محتجين على عدم تسليحهم بالذخيرة الحية ولم ينفعه قوله لهم بأن ذلك جاء ‘حماية لهم ولأرواح المواطنين’. العبرة الرئيسية مما جرى أن هناك شيئا ما غير صحي في العلاقة بين رجال الأمن ووزيرهم رغم الفروقات الكبيرة بين حجم الحدثين وبين منصب وزيري الداخلية في كلا البلدين. هناك أولا فرق بين تجمع حاشد لرجال الأمن في تونس هو بالأساس موجه ضد وزير الداخلية وبين مشادات ظرفية بين الوزير المصري وبعض ضباطه في سياق محدد مشحون بالعواطف. ثانيا منصب وزير الداخلية في تونس كان يُـسند تاريخيا لرجل سياسي من قيادات الحزب الحاكم في عهدي الرئيسين بورقيبة وبن علي واستمر الأمر إلى الآن حين آل المنصب للحزب الأول، أما في مصر فالوزير كان دائما وما يزال من قيادات الجهاز الأمني نفسه إذ يعود آخر وزير داخلية مدني في مصر من خارج أبناء الجهاز إلى ما قبل ثورة يوليو 1952 وهو أحمد مرتضي المراغي. وبناء على هذا الفرق تحديدا فالقول إن وزير الداخلية التونسي من قيادات حركة النهضة الإسلامية، أبرز حزب في التحالف الثلاثي الحاكم، ليس إتهاما وإنما إقرار واقع في حين أن وزير الداخلية المصري لا انتماء حزبيا له رغم ما يوجه له الآن من انتقادات بأنه يسعى لكسب ود الإخوان المسلمين الحاكمين حاليا في مصر رغم حداثة عهده بالمنصب. وقد طالبت بعض قيادات المعارضة باستقالته بعد الأحداث الأخيرة وسقوط عدد كبير من الضحايا. و في كل الأحوال فإن ما وُجه إلى وزير الداخلية التونسي أخطر بكثير مما وجه لنظيره المصري الذي رد على ما أخذ عليه في حين ظل اتهم به الوزير التونسي معلقا بلا جواب. ومع أن ما قاله أعوان الأمن التونسيون عن رئيسهم يحتاج إلى تحقيق مستقل للتأكد من مدى صدقيته وبعده عن المناكفة والكيدية، فإن علي العريض بات ومنذ أشهر عديدة عرضة لانتقادات واتهامات شتى خاصة منذ الفشل المدوي في التصدي للهجوم على السفارة الأمريكية في تونس في 14 سبتمبر الماضي. وقد ازدادت حدة هذه الاتهامات مع ما اعتبر تراخيا أو تواطؤا من الأمن مع بعض تحركات التيارات السلفية العنيفة والاعتداء على بعض مقرات المعارضة واجتماعاتها وأضرحة ومزارات مختلفة، فضلا عن غياب الحزم في لجم ما يسمى بـ’لجان حماية الثورة’ التي تعتبرها المعارضة مليشيا مدنية تعمل لحساب حركة النهضة. وعلى عكس ما هو في تونس من سيطرة الإسلاميين رسميا على ثلاث من وزارات السيادة هي الداخلية والعدل والخارجية فإن مصر لم تعرف هذا إلى حد الآن رغم بعض الغمز لوزير العدل أحمد مكي من أنه متعاطف مع الإخوان. وإذا كان وزير الداخلية، في أي بلد، محل انتقاد من الأجهزة التي تعمل معه وفي نفس الوقت مطعونا في مهنيته وحياده من قبل الرأي العام والفرقاء السياسيين فذلك مؤذن للأسف ببلاء شديد.qraqpt