‘على جثتي’ لأحمد حلمي: الميت يعيد اكتشاف حياته

حجم الخط
0

يونس كحال يعتبر الفنان أحمد حلمي من الفنانين القلائل الذين يحسنون اختيار السيناريوهات التي يشتغلون عليها، فرغم كونه يصنف ضمن خانة الكوميديين إلا أنه يعتبر فنانا مثقفا نظرا لخفة دمه التي يوظفها بشكل غير مبالغ فيه، كما يمكن اعتبار أفلامه تدخل في إطار الأفلام النظيفة من حيث خلوها من اللقطات الجنسية الفاضحة والتوظيف المفرط لجسد الأنثى، حيث تطغى الصورة على الموضوع، كما أنه بخلاف بعض الفنانين الذين يعتبرون كوميديين أسس لنفسه مدرسة خاصة تتميز بالابتعاد عن الابتذال وكثرة الصراخ من أجل الإضحاك أو الاستئثار بالبطولة المطلقة حيث يصبح الممثل يؤدي دور ‘الوان مان شو’.ويأتي الفيلم الأخير لأحمد حلمي في ظل ظروف خاصة تمر منها مصر إلا أنه استطاع حصد عائدات مهمة في أول عروضه، ورغم هذا النجاح المادي الذي يراه البعض أتى على حساب سمعة أحمد حلمي نظرا لأن موضوع الفيلم مكرر أو هو نسخة معدلة من فيلمه ‘ألف مبروك’ إلا أن ذلك لا يمنع بأن نوفي طاقم الفيلم حقه وإن كانت به بعض الهفوات.فموضوع الفيلم ليس بالجديد وهو مقتبس من أعمال غربية لكن ذلك لم يمنع كاتب السيناريو من مصرنتها، بمعنى جعلها تتماشى مع الواقع المصري، فالقصة في شكلها بسيط لكن محتواها عميق، ويمكن إعادتها بصيغ متعددة وجعلها ناجحة في كل مرة، فالرسالة كما قلت وراء قصة الفيلم عميقة، يمكن لأي أحد منا أن يتخيل نفسه مكان ‘رؤوف’ أو ‘خروف’ كما سمى بطل الفيلم نفسه في أحد المواقف، كما أنها دعوة لكل مسؤول ينظر إلى رعيته بنظرة الشك والريبة وأن الواجب يحتم عليهم السمع والطاعة فقط في حين يتناسى أنهم بشر، وحتى يعطوا ما في جعبتهم يجب أن يعاملوا معاملة إنسانية، كما أنه في بعض الأحيان يقودنا الشك إلى إصدار أحكام قد تكون خاطئة، وهو ما حاول الفيلم تصويره وتقريبه إلى المشاهد في علاقة ‘رؤوف المهندس’ مع موظفيه، و’رؤوف الإنسان’ مع عائلته المتمثلة في زوجته (غادة عادل) وابنه.فقصة الفيلم وإن بدت بسيطة ومكررة إلا أنها غير مملة وبالاستطاعة توظيفها بأشكال مختلفة، فهي وإن اتخذت بعدا خياليا يتجلى في دخول بطل الفيلم ‘رؤوف’ في غيبوبة جعلته معلقا بين الحياة والموت، واستطاعته رؤية الأحياء دون أن يرونه هم، وبالتالي معرفة كيف تدور الحياة في غيابه ليكتشف أنه منبوذ ومكروه من طرف الجميع، ليلتقي بالضمير الحي أو صوت العقل الذي يجسده الممثل حسن حسني الذي يمر هو الآخر من تلك الفجوة الزمنية المعلقة بين الحياة والموت، والذي نبهه إلى أخطائه ومكامن الخلل في حياته التي كان يراها (رؤوف) مثالية، زوجة بقصة شعر قديمة وملابس محتشمة وقديمة، سرير الزوجية منقسم إلى قسمين بمعنى خلو الحياة الحميمية من أية روابط متينة اللهم إنجاب الطفل الوحيد للزوجين المطالب بمراجعة كتب لمؤلفين قدامى كالبحتري فيها من الإيحاءات ما فيها، كما أن مخرج الفيلم عرج على بعض مظاهر المجتمع المصري ما بعد الثورة، كتصوير برلماني بلحية كثة داخل قبة البرلمان، والجلوس على كرسي رئيس الجمهورية، والعديد من اللقطات والتي إن مرت بسرعة فإنها كانت تحمل دلالات في طياتها.هذا لا يعني بأن الفيلم كان كاملا، ولكن حاول طاقم الفيلم إيصال رسالة من خلاله وهذا هو المهم، وهذا ما يميز أحمد حلمي في اختياراته.qmaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية