الداد باكتمر اليوم الذكرى الثمانون لتولي أدولف هتلر الحكم. وتستعد المانيا لاستحضار ذكرى الحادثة المصيرية في تاريخها بما لا يحصى من المراسم والاجتماعات والمسيرات والنقاشات التي ستغطي السنة القريبة كلها. إن الالمان متميزون بتنظيم ‘سنوات ذكرى’ كهذه. يُخيل الينا احيانا ان الواقع الالماني ينتقل من سنة ذكرى الى اخرى وأنها جميعا متصلة بفترة حكم النازيين القصيرة نسبيا. لكن هل يواجه الالمان حقا ماضيهم بالجدية والعمق الواجبين أم الحديث فقط عن ضريبة كلام من اجل السلامة السياسية التي فرضت عليهم بعد أن هزمتهم القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية؟.يمكن ان تكون سنة تولي هتلر للحكم امتحانا حقيقيا لقدرة المجتمع الالماني وارادته ان يجري في نهاية الامر محاسبة نفس شديدة مع ماضيه ومع نفسه. وسيكون مما يثير الاهتمام من اجل ذلك ان نرى هل يتناول النقاش العام ثلاث قضايا مركزية.أ إن الميل العام في المجتمع الالماني هو الى النظر الى الـ 12 سنة من سنوات الرايخ الثالث كأنها ‘حادثة طرق تاريخية’، شاذة غير واضحة وغير مُفسرة في تسلسل التاريخ الالماني، وهذه بالطبع رؤية تاريخية مريحة جدا تقلل من مسؤولية الالمان عن كل ما حدث في اثناء فترة حكم النازيين.لكن الحركة النازية والايديولوجية الشمولية وعنصريتها مغروسة عميقا في التاريخ (القديم والحديث) وفي ثقافة الأمة الالمانية. إن الشعور القومي الالماني قد أزهر في ‘ربيع الشعوب’ في منتصف القرن التاسع عشر. وكان تصور الوحدة والتفوق الالمانيين في أساس وحدة المانيا الاولى في نهاية ذلك القرن وأفضى بصورة حتمية الى نشوب الحرب العالمية الاولى.كان يمكن التنبؤ بالمحرقة قبل ذلك في حرب الابادة التي قام بها الالمان على سكان مستعمرتهم في ناميبيا في مطلع القرن العشرين، وفي الجزء غير الواضح الى الآن من مشاركة الالمان في كارثة الأرمن في ذروة الحرب العالمية الاولى. وعلى كل حال كان عدم رد العالم ‘المستنير’ على القتل الجماعي للأرمن على أيدي الاتراك أساسا لتقدير النازيين ان ابادة اليهود ايضا ستمر بهدوء. فقد كان هتلر والنازيون نتيجة مباشرة للتاريخ الالماني لا ‘خطأ انتاج’.ب يُسمي الالمان الى اليوم انتخاب هتلر مستشارا لالمانيا بأنه ‘تولٍ للحكم’. ويتحدثون ايضا عن ‘جرائم نفذها النازيون باسم الشعب الالماني’. وهكذا تتعمق جذور تصور ان النازيين كانوا عنصرا اجنبيا وعنيفا وخارجيا يكاد يكون من عالم آخر سيطر على المانيا بالقوة وفرض على الالمان ان ينفذوا أمورا لم تخطر قبل ذلك قط ببالهم.هذا ايضا استنساخ مخيف للتاريخ لأن هتلر تولى الحكم بطرق ديمقراطية متمتعا بتأييد الشعب الالماني وتأييد الاحزاب القومية والمحافظة التي أعطته الحكم راغبة. وحينما اهتم هتلر ايضا بالقضاء المنهجي على الديمقراطية واستبدال الدكتاتورية بها ظل يتمتع بتأييد شعبي واسع جدا. زادت شعبية النازيين مع الانتصارات في ميادين القتال ومع ‘اخفاء’ اليهود وتقسيم ممتلكاتهم بين الالمان. وبدأت الهزائم فقط في الجزء الثاني من الحرب العالمية الثانية تضعضع مكانة هتلر الصلبة في نظر الجماهير. وحتى لو لم يكن الالمان جميعا نازيين فان النازيين كانوا ألمانا ولا يجوز ان ننكر ذلك.ج ما هي دروس الماضي التي تعلمتها المانيا؟ لماذا حينما يقول رئيس السلطة الفلسطينية إن الصهاينة شجعوا النازيين على ابادة يهود اوروبا وإن 600 ألف يهودي ‘فقط’ قتلوا في المحرقة تصمت المانيا وتستمر ترى انه ‘زعيم فلسطيني معتدل وشريك في السلام’؟ ولماذا تتجاهل المانيا التحريض المعادي للسامية الذي لا زمام له في العالمين العربي والاسلامي؟.ربما يحدث هذا لأن المانيا لم تتعلم من ماضيها ولن تستطيع ان تفعل ذلك ما بقيت مُنكرة له.يديعوت 30/1/2013qeb