في أواخر ستينات القرن العشرين، كنت طالبا في كلية الحقوق والعلوم ا لسياسية والاقتصادية، في الجامعة اللبنانية، التي كانت تقع على الجهة الغربية من حديقة الصنائع، وعلى بعد أمتار قليلة من شارع الحمراء الذي كان يشهد ازدهارا قلّ نظيره منذ ذلك الزمن. كنت أجلس عصر احد الايام في مقهى الكلية مع صديقين، حسين وأحمد. وطلب منا أحمد أن نذهب معه في سيارته العجوز الى تناول العشاء مع صديقه المقاوم في كوخه الواقع على تخوم منطقة الوزّاني، في جنوب لبنان. استقلّينا السيارة فورا واتّجه بنا أحمد نحو الجنوب المقاوم، دون ان نعلم أهلنا بالامر. وصلنا الى المكان بعد عناء القيادة المضنية في حفر الطرقات اللامتناهية، ومددنا على أرض الكوخ ما تيسّرشراؤه من الطعام وتناولناه بشهية ومحبة، ثم عدنا أدراجنا الى منازلنا في ساعات الصباح الاولى، دون عتب أو لوم أو قلق من الاهل. كان لبنان ملعبنا الاكبر ولم تكن تختصر مسافات تنقلاتنا زواريب الطوائف والمذاهب، كما هو عليه الحال الآن مع جيل القرن الحادي والعشرين المسكين. هذه الايام، فاننا ندلّ بالاصابع على اللبنانيين الذين يأتون يأتون الينا من غير مناطقنا المغلقة – غيتويات الطوائف والمذاهب. لا بل نتهكّم ونستنكر ونقطع الطرقات على مواكب رموز الغيتويات الاخرى، ونقيم أقواس النصر ونحيي حفلات الرقص والطرب للتهليل والابتهاج بقدوم، أو حتى عبور ‘زعيمنا’، الذي هو سبب نكد عيشنا وبؤسنا وهجرتنا من وطن المزارع والزرائب. انني، وبالرغم من عدم استهضامي لكاريزما الشيخ أحمد الاسير ولطروحاته السياسية، ألاّ أنني – بصفتي حاملا الهوية اللبنانية مثله – استنكر وأدين ما تعرّض له هو وموكبه من اهانة في أحدى القرى الجبلية في منطقة كسروان مؤخرا. فان دلّ هذا الامر الى شيء، فانما الى ابطال واعاقة حرية كل لبناني في التجوال والتملّك، وحتى التعبّد في كل مكان من لبنان. لماذا هذه الحملة التهكمية والهجائية في استهلال أكثر من نشرة اخبارية، على أكثر من قناة تلفزيونية، حول قيام الشيخ أحمد الاسير بممارسة رياضة التزلّج على الثلج، أو التمتع بمشاهدته؟! أما مشهد المواكب المدججة بالسلاح فأمر طبيعي تعوّدنا عليه مع سفراء اميركا في لبنان وسواهم من سفراء دول الغرب، التي تنشر الديمقراطية وحرية التعبير حول العالم المتخلّف، بواسطة اسلحة الدمار الشامل. أن ما يفعله الشيخ الاسير، يفعله كثيرون من امراء الحرب الاهلية المستمرة منذ عقود في لبنان. أن كل اللبنانيين هم أسرى هذه المواكب، فامّا ابطالها جميعها، او كونوا كما يقول المثل: ‘اذا بليتم بالمعاصي فاستتروا’!سعد نسيب عطاالله المتن الشمالي – لبنانqmn