د. صبري صيدم راجعني الكثير من الأصدقاء منذ أن قررت متطوعا أن أبدأ الكتابة في صفحات القدس العربي ليثني البعض على هذه الخطوة ولينتقدها البعض لمواقف رئيس تحريرها عبد الباري عطوان السلبية كما قال نُقّاد الخطوة. ورغم تباين الموقفين فإنني أقدر لكل من كتب لي إلكترونيا أو حدثني شخصيا هذا الموقف واحترمه وأشكر من بادر إليه سلبا كان أم إيجابا.اللقاء الشتوي الذي جمعني وعبد الباري عطوان قبل أسابيع والذي جاءت ‘ومضات’ كأحد نتاجاته لم يكن لقاءً سهلا كونه استحضر الوضع القائم لمنظمة التحرير وحركة فتح تحديدا وما قال عنه عطوان بأنه تراجع كبير للحركة الوطنية وما قلته شخصيا عن عبد الباري الشخص وخطابه ومواقف الجريدة ذاتها في حديث أخذ شكل ‘الفضفضة’ و’التفريغ’ المعنوي لمواقف تبدو وكأنها متضاربة لكنها متوافقة من حيث الجوهر حول المرجو من نتائج المسيرة الوطنية.فالرجل الذي ذاع سيطه في خطاب الفضائيات أكثر من النص المكتوب كان قريبا من الراحل الشهيد أبو عمار لكنه كان الأكثر انتقادا له في يوم من الأيام فقال له الرئيس الشهيد ذات يوم ‘الله وحده سيأخذ حقي منك يا عبد الباري’ في احتجاج واضح من أبو عمار على ارتفاع وتيرة الانتقاد الذي أسداه عبد الباري لأبو عمار ولمنظمة التحرير ولمواقف فتح.القاسم المشترك في حديثنا ‘التفريغي’ لم يأت بحثا عن أرضية توافقية فأنا أيضاً لا تعجبني أحيانا بعض مواقف عطوان أو جريدة القدس العربي لكن النقاش المشار إليه جاء مستندا إلى حقيقة أن يكون للآخرين صوت فيما يقال ليس لأن مقالا كهذا سيغير مسار الكون وأنا لا أدعي البطولة بل لأن الأمور في بعض الأحيان تقاس على عواهنها ويشوبها بعض الارتجال المجبول بالاندفاع والحمّية واشتعال المواقف. فأردت أن تكون المشاركة أيضاً لمن يقول كلاما مخالفا أحيانا ليس من باب الشطارة وإنما من باب الرأي الآخر. فجل الذين يدورون في فلك فلسطين من أبنائها يختلفون اليوم في مواقفهم وربما تأخذهم العزة بالإثم فيفرغون طاقاتهم وبكل حزن وألم يعتليني وغيري على شاشات الفضائيات لكنهم لا يختلفون على إصرارهم على تحرير فلسطين والخلاص من المحتل.لذا فإن الوسائل تتعدد وكثيرا ما تتلوث سبل استخدامها بشكل يبعث النشوة في صدور جنرالات إسرائيل وزعمائها ممن يتسمرون أمام شاشات التلفزة فيهزؤون بحالنا ويفرحهم انقسامنا ونهشنا لبعضنا البعض بينما يجلس أحباب فلسطين فلسطينيين عربا أو أجانب حزينين محزونين على مآل الأمور. فلا صراع الفضائيات ولا عنتريات الخطابة المتضاربة و’المتباطحة’ ولا حتى الملاكمة الحية على الهواء مباشرة ستساهم مجتمعة في تحرير فلسطين. ولو كان هذا حلا لارتضيه شخصيا لنفسي، ودائما أقول لمن يدعوني لقاء ‘تباطحي’ بأنني لو أعلم بأن صراعي ‘الفضائي’ سيحرر إنشاً من فلسطين لفعلت.نعم ربما اختلف مع نهج ‘القدس العربي’ ومع عبد الباري عطوان شخصيا وفي كثير من الأحيان لكنني لا أختلف مع رؤية أبو عمار لهذه الجريدة الغراء التي وقف إلى جانبها حتى عندما ‘تحرّقت’ أصابعه منها ليس لأن الرجل كان مغامرا لكنه لأنه اقتنع بأن أحدا لا يستطيع أن يقف حارسا على أفواه الإعلاميين وربما اليوم أكثر من ذي قبل خاصة في عهد ازدهار تقانة الاتصال والعصر الذهبي كما أراه لانتعاش الفضاء الإلكتروني.نعم سأقول في بطن ومن أحشاء القدس العربي أحيانا ما لا يعجب القائمين عليها وقد كنت صريحا في اللقاء المذكور في سؤالي: ‘هل ستنشر ما سأكتبه حتى لو انتقدت فيه جريدتكم ومواقفكم يا أستاذ عبد الباري؟’. فجاء الرد بالإيجاب وقلت في قرارة نفسي: ‘التجربة خير برهان’. وما زال الرجل عند كلمته، وربما سيكون هذا المقال إحدى المحطات.القدس العربي أيضاً تضم في صفوفها خيرة أبناء الجالية الفلسطينية في بريطانيا وخيرة من قدم لوطنه وقبل أن يبقى في الظل، وفيها أيضا من الأشقاء العرب من نحترم تاريخهم مهما اختلف البعض حول مواقفهم. لذلك فإن الكتابة في القدس العربي ليست زواجا قسريا وإنما احتراما لروح نختلف فيها في أدواتنا وربما سلوكنا لكننا نجتمع فيها على هدفنا الأساس: التحرير والخلاص من المحتل. فهل ما زال لدى العاتبين الذين احترمهم جميعا ما سيقولوه؟.’ كاتب وسياسي فلسطينيqmdqpt