هذا طينك يا الله!

حجم الخط
0

أمجد ناصريقول الملك عبد الله الثاني في رسالة الى الأردنيين بعد إعلان النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية إنهم سطروا صفحة مشرقة من خلال مشاركتهم في الانتخابات للتأسيس لحقبة جديدة عنوانها المضي قدما في مسيرة التغيير والاصلاح المنشود وتجذّر التعددية والمشاركة الشعبية.إذن، لقد ‘سطَّر’ الأردنيون ‘صفحة مشرقة’ من خلال ‘مشاركتهم’ في الانتخابات و’أسَّسوا’ لـ ‘حقبة جديدة’ في تاريخهم، عنوانها ‘المضي قدما في مسيرة التغيير والإصلاح’ و’تجذُّر التعددية والمشاركة الشعبية’!كل هذا حصل من وراء ظهورنا؟ كل هذه الانجازات حققتها الانتخابات الأخيرة ونحن في غفلة من أمرنا؟ كيف لم نر الصفحة القديمة السيئة وهي تطوى، والصفحة الجديدة المشرقة وهي تطلُّ علينا وتدشن عهد ‘التعددية’ و’المشاركة الشعبية’؟لا بدَّ أنَّ هناك خطأ ما.لأن نتائج الانتخابات التي قاطعتها قوى سياسية فعلية وشخصيات وطنية بارزة وحراكات شبابية نشطة انتجت برلمانا يستحيل، مع تشظيه وتذرُّره وغلبة الطابع العشائري وذوي المال الانتخابي عليه، أن يكون خطوةً على طريق ‘التغيير والإصلاح’ ناهيك عن أن يكون صفحة جديدة في تاريخنا البرلماني الطاعن في التزوير.لا بدَّ أنَّ هناك خطأ ما.فهل برلمانٌ كالذي سيرى الأردنيون أعضاءه تحت ‘القبَّة’ قريباً هو البرلمان الموعود؟ البرلمان الذي يأتي بعد سقوط ثلاثة رؤساء عرب راسخين في السلطة والاستبداد ومعاندة رئيس رابع، بقوة طائراته الحربية وصواريخه، رياح السقوط الحتمية؟أهذا فعلا، من دون مزاح، هو خيار الأردنيين الديمقراطي بعد تغيير خمس حكومات وسفح حبرٍ غزيرٍ كبحرٍ عن الاصلاح والتغيير؟هناك ‘وصلة’ مفقودة بين الخطاب والواقع لا تعيننا على الفهم. فكلام الملك يصف، على الأغلب، واقعاً آخر غير الواقع الأردني ويتحدث عن انتخابات غير الانتخابات الأردنية الأخيرة. فلا يستقيم الكلام عن ‘تسطير’ الصفحات الجديدة و’تجذّر’ التعددية والمشاركة الشعبية مع هذا الحصاد الهزيل، بل المؤسف، بل الذي يندى له الجبين، الذي أسفرت عنه الانتخابات الأخيرة.هناك خطأ ما طبعا.والخطأ، في رأيي، يبدأ من إصرار النظام على إجراء الانتخابات بقانون انتخابي مصمَّم على أساس إبقاء سيطرة القوى الاجتماعية التي يستند اليها على البرلمان، الأمر الذي يجعله جزءاً من السيطرة على الشعب وتزويرا لإرادته بدل أن يكون تعبيراً عن الشعب وممثلا لإرادته، كما هو عليه الحال في البلدان الديمقراطية. كان بعض ذوي النوايا الحسنة يراهنون على أن ‘شيئاً ما’ سيحدث يجعل النظام يؤجل الانتخابات لاجراء المزيد من النقاش مع القوى التي تعترض على القانون الانتخابي الجديد، فضلا عن اعتراضها، بطبيعة الحال، على استمرار تركّز الصلاحيات بيد الملك رغم كل اللغو المرسل في العامين الماضيين عن الاصلاح والملكية الدستورية.. لكن شيئا من ذلك لم يحدث وجرت الانتخابات كأنَّ مجرد اجرائها، وصولٌ الى برِّ الاصلاح المنشود على ما تفصح عن ذلك كلمة الملك عبد الله الثاني. وفي ظل مقاطعة أكبر القوى السياسية وأبرز الشخصيات الوطنية ومعظم الحراكات الشبابية توقع المراقبون أن تتدنى المشاركة الشعبية الى درجة غير مسبوقة لا تسمح حتى باعتماد نتائجها، أو أضعف الايمان تشك بشرعيتها، ولكن، على عكس كل التوقعات، بما فيها المحايدة، وصلت نسبة المشاركة الى نحو 57 بالمئة، وهي نسبة لم تسجلها، حسب تقديرات المراقبين، انتخابات أردنية من قبل!كيف حصل ذلك؟ كيف قفزت نسبة الذين أدلوا بأصواتهم هذه القفزة العملاقة في ظل المقاطعة؟بل كيف يمكن أن نوفق بين نسبة المشاركة التي تدعي المعارضة أنها لم تتجاوز العشرين بالمئة والنسبة التي أعلنتها الهيئة ‘المستقلة’ للانتخابات؟ وبما أن معظم المراقبين لم يتحدث عن علميات تزوير واضحة، كما كان يحدث من قبل، فإن ‘شيئاً’ ما رفع نسبة المشاركة الشعبية الى سقف غير مسبوق. ما هو هذا ‘الشيء’؟ لا أدري. لكن كثيرين يتحدثون عن عمليات حشد جرت، في اللحظة الاخيرة، في أوساط الناخبين الأردنيين من أصول فلسطينية وعن استخدام واسع النطاق للمال الانتخابي. ‘ ‘ ‘أياً تكن الأسباب التي أدت الى ارتفاع نسبة التصويت، وبصرف النظر عن الارتباك المثير للشفقة الذي وقعت فيه ‘الهيئة المستقلة’ سواء تعلق الأمر بمن فازوا ثم تبين أنهم لم يفوزوا أو بالفوارق في الارقام، أو باختفاء صناديق، أو بأولئك الذين فازوا بمقاعد برلمانية وهم في السجن، بصرف النظر عن كل ذلك فإن حصاد الانتخابات هزيل الى الحد الذي يجب أن يُخجل النظام لا أن يفاخر بما تمَّ ‘تسطيره’ من انجازات. نحن أمام برلمان، في زمن سياسة الجماهير التي تحتل الشوارع والساحات، لا سياسة فيه. لا فكرة سياسية تحت قبته، لا في اليسار ولا في اليمين، حتى الأحزاب التقليدية الموالية التي تملك بعض السياسة سقطت في السباق الانتخابي أمام سطوة المال الانتخابي الفاسد. سيكون هناك غياب شبه كامل للأفكار والسياسة وحضور شبه كامل لـ ‘رجال الأعمال’ وممثلي العشائر ووجوه المناطق، حتى ‘القائمة الوطنية’ التي أريد لها أن تكون ممرا للحزبيين والمسيسين إلى البرلمان وقعت في الفخ العشائري. بالنتيجة ها نحن أمام برلمان يعكس صورة بائسة للمجتمع الأردني الذي كان قبل خمسين سنة ينتخب نوابه على أساس أفكارهم وأحزابهم.. فهل هذا هو ‘طينك يا الله’ على حد تعبير مظفر النواب ولكن في معنى مختلف عما قصده الشاعر العراقي الكبير؟ هل هذه نخبة المجتمع الأردني، الممثلة له تحت قبة البرلمان: ‘رجال أعمال’ فاسدون أو ما يشبه ذلك، وجهاء عشائر ووجوه مناطق مرتبطون بالنظام ومطبلون منافقون؟كلا، ليس هذا ‘طين الله’ بل طين النظام الذي جرَّف السياسة على مدار أربعين عاماً، أو أكثر، وجعل كلمة ‘سياسة’ مثيرة للخوف والريبة وتودي بصاحبها، في أحيان كثيرة، وراء الشمس، وكلمة ‘معارضة’ كأنها شتيمة أو كفر، فعندما تجعل السياسة حكراً على السلطة نفسها، عندما يتولى الأمن أمر الناس، على غير صعيد، وتسلب الحريات العامة وتكمم الأفواه وتشترى الذمم وتستباح أملاك الدولة العامة على رؤوس الأشهاد، تكون النتيجة هذه الصورة المؤسفة للأردن التي يذهلني أن يتغنَّى بها الملك وصفوته على الملأ، بدل أن يخلجوا منها.كلا، ليس هذا ‘طين الله’. ليست هذه إرادته. ليس هؤلاء ممثلين للأردنيين الذين كان لهم، ذات يوم بعيد، قبل أن تحكمهم المخابرات وتشلّهم من الداخل، أحزاب وقوى سياسية وشخصيات وطنية لا تقبل العوج ولا ترضى ببوس الأيادي.المذهل أكثر هو كيف تكون العشيرة الوجه الأول للأردن في الوقت الذي صارت فيه، فعليا، مجرد اسم، أو هيكل فارغ من أي محتوى حقيقي؟ وهذا، على كل حال، موضوع آخر ليس هنا مجاله.qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية