عبد عرابي السؤال أحد أقدم طرق الحصول على المعرفة، وهو من أهم وسائل الوصول إلى الحقائق، وكثرته تدل على نهم غزير للمعرفة، وإذا كان ديكارت قد أطلق عبارته الشهيرة: (أنا أفكر إذن أنا موجود) فيمكن أن نلحق بها عبارة: (أنا اسأل إذن أنا أفكر) والمقصود هنا السؤال بمعناه العام (العادي) وليس السؤال الفلسفي أو العلمي فقط، المقصود السؤال الذي غرضه استجلاب المعرفة والوصول إليها بعيداً عن الأغراض الأخرى للسؤال كالاستنكار أو التوبيخ أو الامتحان أو السخرية أو غير ذلك …ولأنّ المنعطفات المفصلية في حياة الشعوب والأحداث التاريخية الكبرى تحفّز الإنسان العاقل على الرغبة في الوصول إلى فهم صحيح لحيثياتها من أسباب ومراحل وتفاصيل ومواقف ونتائج وو.. تكثر حولها التساؤلات وتتشعب الجوانب التي يبحث فيها عن الحقائق التي قد تشتبه فيها الأمور.ويتمتع السائل المتابع أو الذي يعيــــش الحدث عن قــــرب بميزة خاصّة تجعله يتمتع بمهارة فــــريدة على الحكم بدقّة على مدى صدقيّة وصوابية إجابات أصحاب الشأن ومدى ارتباطها بالواقع وسير الأحداث وانعكاس الخلفيات من قــيم وإيديولوجيات ومصالح عليها .ولعلّ ثورات الربيع العـــربي هي الحدث الأبرز في السنتين الخاليتين على مستوى المنطــــقة والعالم، وهذا ما جعلها تحظى بالقدر الأكبر من تساؤلات الإنسان العربي.ورغم نجاح هذه الثورات في بلدن عدّة إلا أنّ كم التساؤلات المتعلّقة بها ما زال يأخذ الحيّز الأكبر من تفكير أهلها بسبب عدم استقرار الأوضاع فيها إلى الآن، بل وصل الأمر بالبعض ليسأل عن جدوى قيام هذه الثورات، وهذا أمر طبيعي باعتقادي نتيجة التراكمات التاريخية الطويلة ومن جميع الجوانب. ولأن الثورة السورية تفردت بخصائص كثيرة عن باقي الثورات، أهمها استمرارها منذ ما يقرب من سنتين، وكذلك بعدد ضحاياها الذي كاد يبلغ سبعين ألفاً أو أكثر، بالإضافة إلى استخدام النظام كلّ أنواع الأسلحة الثقيلة، بما في ذلك الطيران والصواريخ ممّا ألحق أضراراً فظيعة بالبنية التحتية ودماراً وخراباً هائلاً بالمدن والبلدات، بالإضافة إلى دخول كثير من الدول كلاعبين في أحداثها ومراحل تطورها.كلّ هذه الخصائص وغيرها جعلتها تثير تساؤلات عريضة لم يجد الإنسان العربي عامة والسوري خاصة إجابات مقنعة لها، ولم يروِ ظمأه إلى الحقيقة ما أجاب به بعض من يطلب منهم الإجابة، بل ربما عززت هذه الإجابات ريب وشك السائلين، وأشارت إلى نوع من الاستهزاء والاستخفاف بعقولهم.ومن هذه الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات مقنعة للإنسان العادي : – لمَ أصيب المجتمع الدولي بالعجز في شأن الثورة السورية على خلاف أغلب القضايا التي عرضت عليه قديماً وحديثاً، فلم يستطع إلى الآن اتخاذ قرار يوقف شلال الدم المتدفق ليل نهار والمآسي الإنسانية الفظيعة التي تنقل عبر الصوت والصورة ؟. – ما تفسير إحجام وتردد من يقولون عن أنفسهم عالماً حراً عن التعامل بفاعلية مع تطور أحداث الثورة ؟ مع أنهم يتبجحون ليل نهار في دعوى مناصرة حقوق الإنسان وترسيخ قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية للشعوب المضطهدة والمقهورة وقد فعلوا ذلك في قضايا مماثلة، بل لا تقارن ولا بشكل من الأشكال من حيث الفاتورة التي يدفعها الشعب السوري. – لماذا وقفت المؤسسات الإنسانية الدولية والإقليمية عاجزة عن تأمين الحدّ الأدنى من المتطلبات الإنسانية الضرورية التي تخفف ولو قليلاً من معاناة هذا الشعب المقهور؟. – لمَ لمْ يستطع العالم الإسلامي المتمــــثل بمنظمـــة التعــــاون الإسلامي من اتخـــاذ موقف قوي تجاه ما يحصل لشعب يدين بالإسلام، بل ويعتبر أحد منارات الإسلام عبر التاريخ، وأحد معاقل الفكر الإسلامي المعتدل والوسطي في العصر الحديث؟.- إلى متى يستمر العجز العربي بعدم القدرة على اتخاذ موقف حقيقي في مناصرة الشعب السوري، ومد يد العون والمساعدة المجدية له بمعزل عن تجاذبات القوى العالمية الفاعلة ؟.- ما الذي يجعل دول كروسيا والصين تنزلق إلى هاوية العداء السافر للشعب السوري، وخسارته على المدى البعيد، بالمشاركة بطريقة غير مباشرة في سفك دماء السوريين وزيادة معاناتهم، مع أنّ مصلحة الدول مع الشعوب وليست مع الأنظمة ؟.- هل حقّاً ما يدفع محور ما يسمّى (المقاومة والممانعة) إلى مساندة النظام وتبني مواقفه هو الوقوف في وجه الدولة الصهيونية والتصدي للمخططات الإمبريالية ؟. – لمَ كان موقف أكثر النخب العربية سلبياً من الثورة السورية، أو لمَ لمْ يرق إلى الحد الأدنى من أساسيات الدور الحضاري الذي ينبغي عليهم القيام به تجاه آمال وطموحات الشعوب.- لمَ لمْ تنحاز الأقليات في سورية إلى ثورة أهلها، وبقيت متوجسة خائفة رغم التطمينات الكثيرة والمتكررة ليلا نهارا والتي تؤكد أنّ الثورة لكلّ السوريين وهي ثورة ضد النظام القمعي المستبد وليس ضد فئة معينة؟.- لمَ لمْ ينخرط الكرد بالثورة بشكل كامل مع أنّ الاضطهاد الذي لحقّ بهم لا يقل عمّا لحق بغيرهم، بل السؤال الأخطر هو لمَ تحالف فصيل منهم مع النظام ضد الثورة؟. – لمَ لمْ يستطعْ كثير من المعارضين الذين عانوا من بطش النظام وظلمه التأقلم مع باقي فصائل المعارضة لإيجاد قواسم مشتركة لكيفية وآلية تغيير النظام والانتقال إلى الدولة المدنية ؟.- إلامَ بقيت فصائل الجيش الحرّ مشتتة متفرّقة مع المحاولات الكثيرة لإيجاد إطارات جامعة للتجمع والتوحد؟. نكتفي بهذه الأسئلة خشية الإطالة وهناك أســــئلة كثــــيرة غيرها تحتاج إلى إجابات مقنــــعة، ربما يتكفل الزمن بالإجابة على كثير منها.’ كاتب سوريqmdqpt